متى ينال الإمام حقوقه؟!
الحقيقة التي ننطلق منها دائما هي أنّ الأئمّة ليسوا في مستوى واحد من العلم والأهلية، وليسوا على درجة واحدة من الوعي وقوة الشخصية، لكنّ الأغلبية منهم يحملون همّ خدمة بيوت الله ويجتهدون في تقديم أفضل ما يستطيعون تقديمه، ويسخّرون أوقاتهم لخدمة بيوت الله، حتّى إنّ الواحد منهم ربّما يؤدّي مهام ثلاثة موظّفين أو أكثر، راضية بذلك نفسه؛ فهو من يفتح المسجد ويغلقه، ويرفع الأذان ويقيم الصّلاة، ويلقي الدّروس والخطب، ويشرف على حلقات حفظ القرآن وعلى المدرسة القرآنية، وينظّف المسجد وساحاته ومرافقه بالتعاون مع شباب المسجد، ويعقد مجالس الصلح ويبرم عقود الزّواج، وربّما يضطلع بمهام الجمعية الدينيّة فيسهر على إتمام أشغال المسجد وتهيئة مرافقه..
كلّ هذا في مقابل أجهر زهيد لا يوفّر للإمام ضروريات العيش، ويضطرّه في كثير من الأحيان إلى الاستدانة مع ما يتبع ذلك من حرج بالغ.. ولو كان الأجر الهزيل الذي يتقاضاه الإمام هو الهمّ الأوحد لهان، لكنّ الهموم التي تثقل كاهل الإمام وتضعف سيره على طريقه كداعية قبل أن يكون موظّفا، كثيرة ومتشعّبة.
لعلّ أكثر ما يؤرّق الأئمّة ويجرّعهم مرارة الظّلم، إصرار ذوي النّفوذ وأصحاب المال الفاسد على التدخّل في تأطير المساجد وتسييرها، حتى بلغت الجرأة ببعضهم إلى حدّ التدخّل في مضمون الخطاب المسجديّ، ومحاولة فرض مواضيع معينة والمنع من الحديث في مواضيع أخرى، والتهديد المستمرّ بالتدخّل لدى الإدارة الوصية لتحويل الإمام أو معاقبته، وقد بلغ كثير من هؤلاء المتسلّطين مبتغاهم مع كثير من الأئمّة، فحوّلوهم إلى مساجد نائية أو مساجد لا تحتوي بين ملحقاتها سكنات وظيفية، وتسبّبوا في معاقبتهم إداريا.. وأصحاب المناصب والأموال هؤلاء يعرفون من أين تؤكل الكتف وكيف يبلغون مرادهم، عندما يعمد الواحد منهم إلى نسج حبال الودّ مع بعض إدارات الشؤون الدينيّة بترؤس الجمعية الدينيّة التابعة لمسجد من المساجد؛ هذه الجمعيات التي تحوّلت في بعض المناطق إلى قبلة للمترفين والمتفرّغين، يستغلّونها لقهر الأئمّة وإذلالهم، خاصّة تلك التي يتسلّل إليها أصحاب البطون التي لا تشبع، حين يرى الواحد منهم أنّ الانتساب إلى الجمعية الدينيّة يمنحه فرصة المساومة مع المقاولين وتجار موادّ البناء! وقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء إلى حياكة مؤامرات خبيثة لزحزحة الأئمّة الذين يحولون بينهم وبين بلوغ مآربهم الدنيئة!
أمّا حرمان الأئمّة من حقّهم في السّكنات الوظيفيّة، فتلك عاشرة الأثافيّ التي تطوّق رقاب الأئمّة؛ فعلى الرّغم من أنّ القانون الجديد الذي يحكم افتتاح المساجد الجديدة يشترط وجود سكن خاصّ بالإمام، إلا أنّ ما يحصل في الواقع شيء آخر، ففي كلّ عام تفتتح عشرات المساجد من دون أن تكون ملحقة بها سكنات خاصّة بالأئمّة، كلا ولا حتى مقصورات لائقة يجدون فيها راحتهم! بل إنّ بعض السّكنات الوظيفية التابعة لبعض المساجد تمّ تحويلها لمآرب أخرى، نكاية بالأئمّة!
في كلّ مرّة تعِد الجهات الوصية بوضع حدّ لتغوّل الجمعيات الدينيّة وتدخّل أصحاب المال والنّفوذ، لكنّ الواقع لا يزال يراوح مكانه، ولا تزال معاناة الأئمّة متواصلة، خاصّة أنّ خدّام بيوت الله لا يرتضون لأنفسهم -في أكثر الأحيان- اللجوء إلى الجهات الأمنية والقضائية لاستخلاص حقوقهم وزجر من يعتدي عليهم ويتدخّل في صلاحياتهم.
ملفّ الترقية، لا يزال -كذلك- من الملفّات التي تؤرّق الأئمّة، نظرا للضبابية التي تطبعه في كثير من الولايات، فلا قائمةُ التأهيل تنشر، ولا نتائج المداولات تُشهر، بل إنّ هذه النتائج كثيرا ما تكون صادمة ومحيّرة؛ حيث يقضي بعض الأئمّة الأكفاء سنوات طويلة وهم قابعون في رتبة واحدة، بينما تتمّ ترقية آخرين ظفروا بوساطات قفزت بهم إلى ليتربّعوا على قوائم الترقية!
ملفّ بعثة الحجّ، لا يزال هو الآخر يؤرّق الأئمّة الذي قضى بعضهم سنوات طوالا في قطاع الشؤون الدينية، ألصق قطاع بالحجّ، ودأبوا على تعليم حجيج بيت الله مناسك الحجّ، وهم -أي الأئمّة- الذين ينظرون إلى الرّكن الخامس من أركان دينهم على أنّه حلم صعب المنال بالنسبة إليهم، وتزداد حسرتهم وهم يرون مدراء الشؤون الدينية ومعهم بعض الموظفين الإداريين يتمتّعون بالحجّ إلى الحجّ كلّ عام ضمن “بعثة الحجّ”، غير عابئين بأولئك الأئمّة الذين تمتلئ صدورهم حسرة وتسيل دموعهم حرّى وهم يودّعون حجيج بيت الله في المطارات، ويرمقون بأعينهم الصّور التي ينشرها أعضاء بعثة الحجّ من المدراء وأعوانهم على صفحاتهم! ومن هؤلاء الأئمّة من هو على باب التقاعد، ومنهم من تقاعد بعد أكثر من 3 عقود في خدمة بيوت الله، من دون أن يكون له حظّ في بعثة الحجّ!
لقد بحّت أصوات الأئمّة وهم يطالبون ببعض الشفافية في اختيار أعضاء البعثة وإعطاء الأئمّة الأولويةَ على غيرهم، باعتبارهم الأعرف بمناسك الحجّ والأقدر على توجيه الحجيج في البقاع الطّاهرة؛ فليس يعقل أن يكلّف الأئمّة بتعليم وتهيئة الحجّاج قبل الانطلاق إلى البقاع المقدّسة، ثمّ إذا حان وقت الانطلاق وجد الحجّاج في مرافقتهم إداريين لا اطّلاع لهم على أحكام الحجّ ومسائله ونوازله، ولا همّة لديهم في خدمة ضيوف الرّحمن!
أئمّة المساجد، في حاجة إلى كلمات حانية يسمعونها، يشعرون معها بالاهتمام، لكنّهم أحوج إلى أفعال في الواقع تعلي مكانتهم وتحفظ كرامتهم وتمكّنهم من أخذ حقوقهم التي تتحوّل مع مرور السّنوات إلى أحلام!