مجتمعٌ مُستقيل من الحياة!
في كلِّ مرة يُصدم الشارع الجزائري بجريمة مروّعة في حق البراءة، تسرد حيثياتها المؤلمة الألسن أياما معدودة، لتحفِر في القلوب أخاديد من الحزن والأسى، لكن سرعان ما تُمحى من الذاكرة المضرجة بهموم الحياة، لتُطرح وسط هذه القصص التراجيدية تساؤلات حول محل المجتمع بمكوِّناته، وأطيافه من إعراب الجريمة التي أخذت منحى خطيرا، يُنذر بعواقب وخيمة؟!.
ما حدث في بلدية أولاد سيدي سليمان بباتنة مؤخَّرا، لطفل في عمر الزهور حقنته عصابة بالكوكايين، وقذفت به إلى غياهب الإدمان، يُظهر حجم الانحدار الذي أصاب القيم الإنسانية، في المجتمع الجزائري، الذي ما يزال يصدّر أمثال هؤلاء المنحرفين الذين تجرّدوا من الآدمية. فكيف سمحت لهم أنفسهم الأمَّارة بالسوء، بارتكاب فعل شنيع كهذا ضد هذا الطفل البريء؟. ماذا لو كان الضحية هو “برنار” أو “نيكولا” أو “كلاوديو”.. والبلد هو الدنمارك أو استراليا أو حتى جمهورية المالديف؟!. أكيد لكان الأمر مختلفا، وأقامت حكومات هذه البلدان الدنيا ولم تقعدها، وهبّت جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان، والمصحات النفسية لمعالجة آثار الصدمة التي أصابت هذا الطفل أو ذاك. لكن للأسف الأمر مختلف عندنا والكل يتبنى شعار: “تخطي راسي وتفوت”، مادام أنّه غير معني بهذه المأساة بطريقة مباشرة.
إحلال الأمن والسكينة في المجتمع ليس وظيفة الأجهزة الأمنية فقط، بل الكل مسؤول عنها، إذ تُعدّ التنشئة الاجتماعية – باعتبارها عملية تربوية – أداة لضبط سلوكيات الأفراد، وتحوِّلهم من كائنات حيوانية السلوك إلى آدميين، يمارسون أشكال الوجود الحضاري.
ما يثير الاستغراب فعلا، ويجعلنا نتساءل دوما: ما هو دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في بلادنا، بدءًا بالأسرة مرورا بالمدرسة والمسجد والحي؟ لماذا استقال الجميع من أداء وظيفته التربوية والتوعوية؟. لماذا بقي الخطاب المسجدي محصورا في فرائض ونواقض الوضوء وترقيع الصلاة؟ لماذا لا تنفتح خطب الجمعة على المجتمع؟ أين معلمو النشء؟ أين الجمعيات التي يلهث غالبيتها فقط وراء إعانات الدولة؟.
وباختصار إذا عُرف السبب بطل العجب؛ فالمجتمع بكل مكوِّناته وأطيافه استقال من الحياة، ولم يعد يأبه بشيء.. لم يعد يهمّه ما يدور حوله، وهو الذي كان بإمكانه أن يغيِّر المنكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان.