-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مجلاّت تُحوِّل العِلْم إلى تجارة عَفِنة!

مجلاّت تُحوِّل العِلْم إلى تجارة عَفِنة!

لا مبالغة في القول إن أزمة عالمية عميقة تضرب منذ سنوات مجال النشر العلمي (المجلاّت المُحكّمة)، وإنّ تأثيرها الهدّام يتفاقم يوما بعد يوم من دون أن يتمكّن العلماء أو الساسة أو الناشرون من احتوائها. ذلك ما تشير إليه الأوساط العلمية يوميا مع دقّ ناقوس الخطر. وتتمثل هذه الأزمة في تزايد انتشار عمليات احتيال منهجية تهدف إلى التلاعب بمؤشرات الأداء العلمي. وتنبع هذه الظاهرة من اعتماد الأوساط الأكاديمية على مقاييس كمّية -مثل عدد المقالات المنشورة، والاقتباسات الواردة في بحوث أخرى، ومعامل التأثير – تُستخدم غالبًا لتقييم جودة الأبحاث، وتحديد التمويل، وقياس مكانة المؤسسات الجامعية. غير أن هذه المؤشرات، التي غالبا ما يتم إعدادها من قبل شركات خاصة بطرق غير شفافة، أصبحت أهدافًا سهلة للممارسات غير الشريفة، مما يغذي منظومة عالمية تخزّن “العلم الزائف”.

انحرافات لا تُصدّق

تُبرز إحدى الدراسات انحرافات لافتة، مثل تصنيف أظهر عام 2019 جامعة تايوانية لا تضم أصلًا قسمًا للرياضيات على أنها المؤسسة التي تحتوي على أكبر عدد من “الباحثين من الطراز العالمي” في الرياضيات. هذا المثال يُجسد العبث الذي يمكن أن ينشأ عن نظام يعتمد على مقاييس غير خاضعة للرقابة. وفي الوقت نفسه، أصبحت المجلّات “الضخمة” -وهي دوريات تقبل معظم المقالات مقابل دفع مبالغ مالية- تنشر الآن عددًا من المقالات يفوق ما تنشره جميع المجلات المرموقة المجانية، مما يطمس الحدود بين الإنتاج العلمي الحقيقي والمحتويات العلمية المضلِّلة.

وقد أدت هذه الزيادة في المنشورات المشبوهة إلى ظهور سوق خفيّ يبيع فيه وسطاء مجهولون الاقتباسات، والمراجعات المُزوَّرة، وهويّات بعض المؤلفين. لا شكّ أن هذه الظاهرة تُهدّد نزاهة النظام الأكاديمي برمّته. ولذا يحذّر الأمين العام للاتحاد الدولي للرياضيات، وغيره من العلماء، من مخاطر هذا العلم الزائف الذي يكبح قدرة المجتمع العلمي على التمييز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى المزوََّر.

كما أن الحديث عن معامل التأثير يثير جدلًا واسعًا، فهو أحد أكثر المؤشرات شيوعًا، ولكنه أيضًا من أكثرها إثارة للتساؤلات. من المفترض أن يقيس هذا المعامل تأثير المجلة من خلال عدد الاقتباسات التي تحصل عليها، إلا أن له عدة قيود، فهو يتأثر باختلاف المجالات، ويشجع الأبحاث “الرائجة”، ولا يعكس التأثير طويل الأمد. لذلك يقترح بعض العلماء بدائل مثل مقاييس الاستخدام، والتقييمات النوعية، ومبادئ العلم المفتوح لبناء نظام تقييم أكثر عدلًا وأقل عرضة للتلاعب وأكثر انسجامًا مع القيم الأساسية للبحث العلمي.

نموذج من الفضائح الأخيرة

من أكبر المجلات العلمية في العالم من حيث عدد المنشورات، المجلة الدولية “علوم البيئة الشاملة” (Science of the Total Environment). وقد كشفت الفضيحة التي طالت هذه المجلة عن أزمة عميقة تعصف بمنظومة النشر العلمي الحديث إذ اجتمعت فيها الأخطاء المنهجية، وضغوط زيادة الإنتاج، والربح المالي المتزايد الذي تحققه دور النشر الكبرى، وفي مقدمتها دار “إلسيفير” الهولندية الأصل. فقد أدت التحقيقات إلى الكشف عن عشرات المقالات غير النزيهة في هذه المجلة المرموقة فتم أخيرا اقصاؤها من قواعد البيانات المرجعية.

بدأت قصة هذه المجلة في خريف 2020، عندما كان العالم يواجه الموجة الثانية القاتلة من جائحة كورونا. وفي تلك الفترة الحساسة نشرت المجلة دراسة تروّج لفكرة وجود دواء من الطبّ الصيني التقليدي يقي من داء كورونا. ورغم غرابة الطرح، فقد دافع عنها رئيس التحرير آنذاك مدّعيا أن المجلة تعتمد إجراءات صارمة للتحكيم العلمي. وبعدها بخمس سنوات تقريبًا، كشفت التحقيقات أن تلك “الصرامة” لم تكن سوى واجهة لخلل عميق داخل المجلة.

كما أسلفنا، تُعَدُّ المجلة من بين أكبر 15 مجلة علمية عالميًّا من حيث عدد المقالات المنشورة سنويًا. لكن المفارقة أنّ هذا التضخم الكمّي الذي قاده رئيس تحريرها منذ عام 2012 كان على حساب الجودة. فخلال عشر سنوات تضاعف حجم المنشورات عشر مرات، حتى بلغت المجلة نحو 10 آلاف بحث منشور سنويًا. ويُفسِّر المختصون هذا الانفجار في النشر بأن المجلة تتبع نموذج الوصول المفتوح الذي يفرض على الباحث دفع 4150 دولارًا. وهكذا أصبح القبول الواسع للمقالات مصدرًا ماليًا ضخمًا لا يمكن الاستغناء عنه.

في 18 نوفمبر 2025، أعلنت شركة “كلاريفيت” (Clarivate)، وهي إحدى أهم مؤسسات تقييم المجلات العلمية عالميًا، إقصاء هذه المجلة من قاعدة بياناتها لأنها لم تعد تستجيب لمعايير الجودة. هذا القرار يعني عمليًا ضرب سمعة المجلة، وخسارة قدرتها على التأثير في التصنيفات الأكاديمية، وبالتالي تراجع جاذبيتها لدى الباحثين.

لكنّ القضية لا تتعلق فقط بالكمّ، بل بجوهر العملية العلمية، أي بـ”تحكيم الأقران”. فقد كشفت دار “إلسيفير” نفسها عن وجود ما لا يقل عن خمسين بحثا اعتمد فيها تحكيمًا مزيفًا؛ إذ استُخدمت أسماء علماء حقيقيين دون علمهم لتوقيع تقارير تحكيمية وهمية. ويتعلق الأمر بمجموعة من الدراسات شارك فيها رئيس التحرير شخصيا -البالغ الآن من العمر 71 سنة- وهو ما يزيد الشبهات، رغم أن تلك المقالات لم تُسحب بعد !

تعيدنا فضيحة هذه المجلة إلى التذكير بالأرباح الخيالية التي تحققها شركات النشر العلمي الكبرى. فحسب دراسة بريطانية حديثة، جنت شركات النشر العلمي الأربع الكبرى في العالم (‘إلسيفير’، ‘شبرينغر نيتشر’، ‘وايلي’، ‘تيلر وفرانسس’) ما يفوق 7 مليارات دولار عام 2024. وتحتل دار “إلسيفير” الصدارة بهامش ربح يبلغ 1.5 مليار دولار خلال تلك السنة.
وتعتمد هذه الأرباح على استغلال مبدأ يسميه الأكاديميون ‘النشر أو الهلاك’ الذي يجبر الباحثين على تكثيف إنتاجهم العلمي كمّا لا كيْفًا. وقد أدى الانتقال من نموذج الاشتراكات التقليدية إلى نموذج الوصول المفتوح (عندما يدفع الباحث لقاء نشر مقاله) إلى بروز حوافز خطيرة: كلما نشرت المجلات عددًا أكبر من المقالات، ازدادت أرباحها، بغض النظر عن الجودة. ونتيجة لذلك غمرنا “طوفان” ملايين البحوث الغثّة التي تبتلع أجزاء كبيرة من المال العام المخصّص للبحث دون تقديم قيمة علمية حقيقية.

مثال صارخ

المثال الصارخ في النشر الذي أتى به الإعلام الغربي في نهاية الشهر الماضي هو سلوكات رئيس تحرير مجلة “علوم البيئة الشاملة” إذ نشر نحو 1800 بحث، من بينها أكثر من 200 بحث صادر في مجلته. ووصل به الأمر إلى نشر بحث كل 5 أيام! وكان اسمه موجودا أيضًا ضمن قائمة الباحثين الأكثر استشهادًا في العالم، وهو عامل يؤثر مباشرة في تصنيف الجامعات… ذلك ما يدر أموالا طائلة على رئيس التحرير.

تطرح هذه القضية، سؤالًا جوهريًا: هل ما يزال النشر العلمي أداة لخدمة المعرفة أم أنه تحوّل إلى صناعة تجارية ضخمة تستنزف المال العام وتغذي سباقًا محمومًا نحو الكمّ بدل الكيْف؟
إن الفضيحة التي عاشتها مجلة “علوم البيئة الشاملة” ليست حادثة عابرة، بل هي حادثة تعبّر بوضوح عن اختلالات عميقة في النظام العلمي العالمي: من التحكيم إلى التمويل، ومن النزاهة المهنية إلى تضارب المصالح. وما لم تُتَّخذ إجراءات إصلاحية حقيقية، فستتكرر مثل هذه الوقائع في مؤسسات أخرى، مهددةً ثقة المجتمع في البحث العلمي ذاته.

لهذا كلّه، حريٌّ بنا في بلادنا أن ننْأى بأنفسنا عن هذه الممارسات، وأن نقلّص اهتمامنا بالتصنيفات العالمية للمؤسّسات الجامعية والترويج لها طالما استمرّ الوضع على ما هو عليه، كما فعلت بعض الجامعات المحترمة في العالم. كما يجدر بنا ألّا نقع في فخّ التفاخر بتكاثر البحوث المنشورة من قبل أساتذتنا وباحثينا. فجوهر الجامعة لا يُقاس بعدد البحوث المنشورة أو بترتيب عابر، بل يُقاس بقدرتها على ضمان تكوين جادّ للطالب، وصقل شخصيته العلمية، وتمكينه من أدوات التفكير النقدي والمعرفة العميقة. فالمؤسسة التي يتخرّج منها طالب متوازن وقادر على الإسهام الفعلي في تقدّم مجتمعه أرفع درجة وأبقى أثرًا وأكثر نفعًا للبلاد من أيّ ترتيب دولي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!