مجمع اللغة العربية يحتفي بالترجمة
تُعدّ الترجمة جسرًا حضاريًا أساسيا بين الأمم، فهي التي تُحوِّل المعارف من لغة إلى أخرى، وتتيح للناس جميعا مهما اختلفت لغاتهم أن يعرّف كلّ منهم بثمار فكره وإبداعاته.
ولا شك أنّ الترجمة إلى العربية تكتسي خصوصية مضاعفة لأنها تُسهم في إثراء الرصيد العلمي والثقافي للغة، ثم إن اللغة العربية توصف بأنّها من أوسع اللغات قدرةً على الاستيعاب والتكيّف.
ونحن اليوم نشهد تسارعا مخيفا للثورة الرقمية فتضاعفت بذلك الحاجة إلى مشاركة الجميع في نشر المعرفة. ولذلك فإن حضور اللغة العربية في فضاء الترجمة صار أكثر من ضرورة إذ يراه الكثيرون مرتبطا ارتباطا وثيقا بمصير هذه اللغة.
ملتقى الترجمة والبيئة العلمية
وفي هذا السياق، وبمناسبة اليوم العالمي للترجمة، نظّم المجمع الجزائري للغة العربية يوم 29 سبتمبر ملتقى وطنيا تحت شعار “نحو تفعيل التواصل المعرفي باللغة العربية في زمن التحولات الرقمية الجديدة”، تابعه حضوريا وعن بعد نخبة من الأساتذة والباحثين من جامعات ومراكز بحث وطنية، وذلك في أجواء علمية ميّزها التنظيم الجيد والنقاش الرصين والطرح المسؤول لقضايا الترجمة واللغة في سياق التحولات التكنولوجية الراهنة، لا سيما مع ظهور الذكاء الاصطناعي واستحواذه على المشهد العام في كل المجالات.
عرفت أشغال الملتقى تقديم خمس محاضرات استهلتها الأستاذة سعيدة كحيل (من أعضاء المجمع) حيث عرضت في مداخلتها الموسومة “تجربة المجمع الجزائري في الترجمة العلمية: عرض منهجي ووصف للممارسة” جهود المجمع وأهدافه في تطوير الترجمة إلى العربية، مؤكدة أن العمل الجماعي المنظم هو السبيل لترسيخ حضور العربية في حقول العلم والمعرفة.
وركّز الأستاذ كمال فرات (من مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية) على موضوع “الذكاء الاصطناعي وتوحيد المصطلحات الصوتية العربية: من الفوضى إلى الاتساق المصطلحي”. واقترح حلولاً عملية للتعدد الاصطلاحي في الصوتيات العربية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن هذه الثورة التقنية يمكن أن تكون رافعة حقيقية لتحديث المعجم العلمي العربي وإثرائه. أما الأستاذ شوقي بونعاس (جامعة مسيلة) فتناول موضوع “ترجمة الاختبارات النفسية باستخدام نظام كلود (Claude)”. وقد استعرض الأدوات الرقمية المساعدة في نقل هذا النوع من الاختبارات من الإنكليزية إلى العربية، مبرزا التحديات العلمية والمنهجية في هذا المضمار.
واستعرض عضو المجمع الأستاذ عمر لحسن في محاضرته الموسومة “المصطلح العلمي: إشكاليات وضوابط” قضايا نقل المصطلح بين اللغات، مقدما أمثلة دقيقة من حقول معرفية متعددة أبانت حجم التحديات التي تواجه المترجم العربي في هذا المجال.
واختُتم الملتقى بمداخلة الباحث رامي بوودن (جامعة عنابة) عنوانها “هندسة الأوامر والذكاء الاصطناعي: بين تعويض المترجم والارتقاء بصنعته”. أوضح المحاضر خلالها كيف يمكن للتوجيهات والأوامر في بيئة الذكاء الاصطناعي أن ترفع من جودة الترجمة وتساعد المترجم على تجاوز التعقيدات.
نشاطات المجمع العديدة
والجدير بالملاحظة أن هذه التظاهرة تندرج ضمن نشاطات المجمع العديدة. وقد أوكل تنظيمها إلى لجنة علمية برئاسة الأستاذة سعيدة كحيل، رئيسة لجنة الترجمة بالمجمع، التي بذلت مع زملائها جهودا مضنية ليكون التنظيم محكما ونتائج الملتقى ملموسة. وهكذا تُوجت الأعمال بإصدار كتاب جامع لكل المحاضرات جاء في178 صفحة وُزِّع على المشاركين، وهو إنجاز يُحسب للمجمع باعتباره خطوة عملية نحو توثيق المعرفة وتعميمها.
في كلمته الاختتامية، أثنى رئيس المجمع، الأستاذ الشريف مريبعي، على الجهود المبذولة من قبل اللجنة المنظمة والمحاضرين، وعبّر بتواضع عن طبيعة هذه التجربة بقوله: “نحن لازلنا مبتدئين”. غير أن المتتبع لعمل المجمع يلمس بوضوح حصيلة معتبرة -بعد نحو سنة من النشاط- مقارنة بهيئات أخرى أكثر عددا وعدة. فقد أصدر المجمع خلال الشهور القليلة الماضية، إلى جانب أعمال هذا الملتقى، عددا من المؤلفات، منها: كتابان يندرجان ضمن سلسلة “أروقة العلوم” يمثلان مجموعة من المقالات الأكاديمية المترجمة جاءا تحت العنوانين “في تعليمية الترجمة” (344 صفحة)، و”الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته” (360 صفحة). ومن إصدار المجمع أيضا كتاب “الأساليب العربية المعاصرة ذات الأصول الإنكليزية والفرنسية” للأستاذ شعيب حبيلة (515 صفحة)، فضلاً عن معجم ثلاثي اللغات بعنوان “معجم النبات والعلوم المتصلة به (512 صفحة).
لقد أبرز الملتقى الوطني حول “الترجمة والبيئة العلمية” الذي نظّمه المجمع الجزائري للغة العربية المكانة المركزية للترجمة في دعم البحث العلمي في عديد الحقول المعرفية وتعزيز مكانة العربية في الفضاء الرقمي. غير أنّ التحدي الأكبر الذي يظل يواجه هذه الجهود هو ضعف المحتوى الرقمي باللغة العربية. فهذا المشكل الذي يشير إليه دائما المتابعون يجعل أدوات الذكاء الاصطناعي أقل فعالية عند التعامل بهذه اللغة مقارنة باللغات المتقدمة. فالمحتوى المتوفر على شبكة الانترنت غالبا ما يقتصر على نصوص باللهجات العامية أو مواد سطحية قليلة المصداقية، وهو ما لا ينهض بمستوى البحث والتعليم والابتكار وانتشار المعارف المفيدة. ذلك ما أشار إليه مرة أخرى المتدخلون في الملتقى.
ومن هنا، فإن النداء موجّه إلى جميع الهيئات العربية، من مجامع لغوية وجامعات ومراكز بحث ومؤسسات إعلامية وثقافية لتكثيف الجهود في موضوع إنتاج محتوى رقمي عربي رصين وموثوق. ذلك أن بناء قاعدة معرفية رقمية متينة باللغة العربية يمثل في آن واحد خيارا ثقافيا، وكذا شرطا أساسيا لكي تستفيد أجيالنا وأجيال الغد من ثورة الذكاء الاصطناعي وتشارك فيها بفاعلية. وإذا كان الذكاء الاصطناعي اليوم يتغذى مما يُنشر في الفضاء الرقمي، فعلينا أن نضمن له مادة عربية أصيلة وعالية الجودة حتى لا يكون اعتماده مقتصرا على منصات التواصل الاجتماعي وما تحمله من محتويات ضعيفة وبلغة هجينة.
إن تعزيز المحتوى الرقمي العربي مهمة حضارية ومسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات والأفراد. فهو السبيل إلى ضمان حضور لغتنا في فضاء المعرفة العالمي، وإلى جعلها أداة للإنتاج لا مجرد وعاء للاستهلاك. لا بد أن ندرك بان المستقبل الرقمي يفرض علينا أن نكون فاعلين في صناعة المحتوى لا متفرجين على تدفقه.
ومن دون مبادرات جادة سنُقصِي أنفسنا، كما حذّر الحاضرون في الملتقى، من معركة المعرفة الرقمية. لذلك فإن دعم المحتوى العربي هو الضمانة الحقيقية لتكون اللغة العربية لغة علم وابتكار في هذا العصر.