مجون بعد الصيام!
ينتظر المسلمون عبر بقاع الأرض كافة، شهر رمضان لتكثيف العبادات ومضاعفة رصيد الحسنات، علّ الله يتقبل صنيعهم، بينما باتت فئة من الجزائريين تنتظر هذا الشهر الفضيل للترويح على النفس بمختلف السبل المتاحة لهم، خاصة متى اقترن رمضان بموسم الحر الذي تكثر فيه النزهات الليلية والسهرات المبرمجة، إذ تجد هؤلاء ممن يستهويهم الغناء والرقص يصومون نهارهم إيمانا واحتسابا، ويسهرون ليلهم رقصا على نغمات هابطة، كالتائه الحائر بين زهو وملذات الدنيا ونعيم الآخرة.
عندما تختلط أصوات التراويح بصخب الأغاني
يحتار الملاحظ لواقع المجتمع الجزائري خلال الشهر الفضيل، إذ وبدل أن نشهد تلك الأجواء الروحانية التي كانت تحكم أزقتنا وأحياءنا، يأخذنا الشوق إليها ونحن نشتم عبقها في روايات الأجداد والآباء، وتعصرنا الحسرة على ضيف عزيز أصبحنا نستقبله بشتى مساوئ الأخلاق، حتى كاد يفقد حرمته التي جاء بها، كيف لا؟.. وفينا من يقترف المحرمات نهارا جهارا في رمضان، ومنا من يقضي صيامه نوما عوض العبادة وفعل الخيرات، بل ويسهر البعض راقصا على أنغام المجون، وعويل الشواذ ممن يدعون أداء الأغنية الرايوية في القاعات والساحات العمومية، وبينما تمتلئ المساجد وبيوت الله بالطامعين في رحمة الله، وتغلق الشوارع المحاذية لها بجموعهم الغفيرة، تدوي في المكان تلاوات عطرة يفوح عطرها فيُرفع الإيمان.. هناك في أماكن غير بعيدة يجتمع الناس على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم، يهزون الأبدان، مرددين أغاني الملاهي، ضاربين بذلك عرض الحائط، حرمة الشهر المعظم والآذان وتلاوات القرآن التي يتشابك صداها غامرا أرض الله، مشهد بات مألوفا بعديد المدن الجزائرية في سنواتنا الأخيرة، ويتداول أكثر في المدن الساحلية التي تستقطب السياح في فصل الصيف، إذ يشمئز سيد علي، ابن مدينة سطاوالي من تزايد هذه الظاهرة دون رقيب: “تعودنا أن تكون الحفلات الراقصة على مدار الصيف، لكن المؤسف أنها طالت حتى شهر رمضان المعظم، فاختلط شذى التراتيل بصياح أشباه الفنانين، الذين لا يحترمون روحانية شهر الصيام ولا أتباعهم..”.
بدأت حفلة مديح وانتهت مجلس مجون
ولأن شهر رمضان هو فرصة لتدارك هفوات السنة، وسبيل للبعض من أجل العودة إلى طريق الهداية بضبط العبادات والالتزام بأدائها على أكمل وجه، يبدو من عجيب الأمور، أن يتهافت الصائمون بعد الإفطار على حجز أماكن الرقص لهم ولعائلاتهم، وكأنهم بذلك يصرون على موازنة الحسنات المحصلة صباحا بسيئات يجنونها ليلا، وسط مجالس مختلطة وبأجساد شبه عارية، سامية من سكيكدة 24 سنة، تخبرنا كيف أصبح رمضان عائلتها مقتصرا على صيام النهار والرقص والغناء في السهرات: “منذ حوالي أربع سنوات، ترسخ لدى أفراد عائلتي طقس جديد مناسب للأجواء الحارة، فقد أصبح متاحا لنا الاستمتاع بالسهرة كما ينبغي، بعد يوم من الصيام وضبط النفس حتى على سماع الأغاني، إذ تعودنا الخروج بعد الافطار مباشرة لحضور الحفلات الساهرة المنظمة من قبل دور الثقافة والجمعيات الطربية، وكثيرا ما نرقص معا إذا استهوتنا الأغاني..”. أما ليليا من الرغاية، 21 سنة، فقد وجدت نفسها وبنات خالها يرقصن على أنغام الراي في إحدى السهرات الرمضانية، بعدما كانت مدعوة لحفل مديح: “زرت بيت خالي بتلمسان، ودعيت لحضور حفل مديح، لمنشدين شباب.. بالفعل بدأ كذلك قبل أن ينقلب إلى سهرة رايوية بامتياز، جرنا جوها وأنغامها المتعالية للرقص بعد يوم من الصيام والتعبد..”، يحدث هذا في أعظم شهور السنة فضلا، ورغم تنبيهات الأئمة والمشايخ لحرمته والتحذيرات المتكررة عبر المنابر والفضائيات باتقاء التجاوزات والحرص على صحة الصيام من التصرفات التي تبطله.