-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محاولة لكسر المؤامرة

عيسى جرّادي
  • 569
  • 0
محاولة لكسر المؤامرة

في سياق الرد على المقترح الوارد في وثيقة المشروع الإصلاحي، أعني في الجانب المتعلق باللغات الأجنبية، تمت المبادرة باقتراح مواز.. سعى في إحداث تصحيح على مستوى الطرح الذي يمنح اللغة الفرنسية مكانة متميزة في المدرسة الجزائرية على حساب اللغة العربية، وأيضا على حساب اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العلم والتكنولوجيا المهيمنة عالميا، وفي نية من ينتصرون للّغة الفرنسية أن يعيدوا تموضعها في المواقع التي فقدتها في ظل “أمرية 1976″، التي أقرت تعريب المدرسة الجزائرية.
في مضمون هذا الرأي الموازي نقرأ ما يلي:
اللغة الفرنسية:
تعدّ دائما اللغة الأجنبية الأولى لأسباب معروفة، تاريخية واجتماعية واقتصادية، وهي الآن معتمَدة في التعليم العالي “بعض تخصصات العلوم الدقيقة وفي العلوم الطبيعية” غير أنهما، ورغم الحجم الساعي الذي يتلقاه التلميذ من السنة الرابعة أساسي إلى السنة الثالثة ثانوي، ظلت تراوح مكانها من الناحية العملية وهذا لأسباب حصرها المختصّون في ضعف البرامج والمضامين، ونقص المؤطرين وضعف مستواهم، ورداءة الكتاب المدرسي).
وتم اقتراح ما يلي:
– إبقاء اللغة الفرنسية في السنة الرابعة إذ لا يوجد أي تقييم أو دراسات موضوعية ترى أن فشل التلميذ في الفرنسية يعود إلى وجودها في السنة الرابعة، إلى جانب النقص الهائل في المؤطرين، عددا ونوعية، في اللغات الأجنبية من دون استثناء، وغياب سياسة واضحة متعلقة باللغات الأجنبية.
– تخصيص الطور الأول للّغة العربية حتى تُمنح الفرصة للتلميذ كي يتمكّن من لغته الأولى جيّدا، شرط أن يضبط برنامج هذا الطور بشكل يُكسب التلميذ الأساسيات الأولى للغته، فلا يقع لديه تداخل أو تشويش بين اللغات، من دون أن ننسى أن هذا التلميذ يدخل المدرسة بلغة أو لغتين: الأمازيغية والدارجة أو كليهما.
اللغة الإنجليزية:
تم اقتراح أن تدرج هذه اللغة ابتداء من السنة السادسة ابتدائي ثم يتدرج في تعليمها من خلال:
– وضع سياسة واضحة لتوفير المؤطرين.
– وضع برامج تعليمية ملائمة.
– تكوين مختصين والاستفادة من تجارب الدول التي تعتمد اللغة الإنجليزية.
في التعليم الثانوي:
– تكييف محتوى برامج اللغتين الفرنسية والإنجليزية مع محتويات برامج التعليم العالي.
– إدراج لغة أجنبية ثالثة (الإسبانية، الألمانية، الإيطالية)، تخصّ تلاميذ شعبة اللغات الأجنبية.
– تدريس المواد العلمية والتقنية بالعربية (مع تفادي النقائص على مستوى البرامج والمؤطرين والكتاب المدرسي).
– إعادة تكوين الأساتذة الحاليين، ورفدهم بتكوين أساتذة جدد بالعدد المطلوب.
– تحسين برامج اللغة العربية وكذا اللغات الأجنبية، ليتمكن تلميذ السنة الثالثة من لغته (أدبيا وعلميا)، وليتحكم في لغتين أجنبيتين يمكنه الدراسة بهما في الجامعة.

أنصار فرْنَسة المدرسة، لم يعدموا الوسيلة في تحقيق نوع من الالتفاف على هذا الرفض، وفرضوا –بطريقة إملائية سادها الغموض– اعتماد ما يسمى الرمز العالمي في تدريس المواد العلمية، وهذا الرمز العالمي عندهم هو “الحرف اللاتيني” طبعا! وهذا يعني إقحام جسم غريب على النص العلمي المكتوب باللغة العربية، وإجبار الأستاذ على النطق بالحرف اللاتيني حتى وهو يتحدث اللغة العربية، وهذه مفارقة عجيبة من أكثر من زاوية.

هذا جملة ما جرى إقراره في مشروع الإصلاح من رأي ورأي مضاد، والخاص بموضوع اللغات، سواء تعلق الأمر بلغة التدريس أو السؤال عن أي لغة أجنبية تكون لها الأولوية، فإلى ماذا انتهى الأمر؟
رفض اقتراح تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية على مستوى مجلس الوزراء، وأبقيت اللغة العربية لغة تدريس في كل المراحل السابقة على التعليم الجامعي، غير أن أنصار فرْنَسة المدرسة، لم يعدموا الوسيلة في تحقيق نوع من الالتفاف على هذا الرفض، وفرضوا –بطريقة إملائية سادها الغموض– اعتماد ما يسمى الرمز العالمي في تدريس المواد العلمية، وهذا الرمز العالمي عندهم هو “الحرف اللاتيني” طبعا!
فماذا يعني هذا؟
إقحام جسم غريب على النص العلمي المكتوب باللغة العربية، وإجبار الأستاذ على النطق بالحرف اللاتيني حتى وهو يتحدث اللغة العربية، وهذه مفارقة عجيبة من أكثر من زاوية.
فهل كان تدريس هذه المواد (رياضيات، فيزياء، علوم طبيعية)، وكتابة رموزها بالعربية مثار مشكلة أو مصدر قصور على امتداد عقود من الزمن؟
وهل يوجد إجماعٌ عالمي على أن الحرف اللاتيني هو الرمز العالمي الذي تُكتب به المعادلات والقوانين ومختلف الصيغ العلمية؟
لا شيء من هذا على الإطلاق، إنما هو التحايل على الرفض الذي جوبه به اقتراح اعتماد اللغة الفرنسية لغة تدريس.. فكان فرض هذا الحرف من باب “ما لا يُدرك كله، لا يترك جله أو أهمه”، وربما كان هذا ترتيبا لفرض نوع من الأمر الواقع على التلميذ الذي يجد نفسه مشتَّتا بين لغة ينطقها وحرف مخالف يكتب به.
ثم علينا أن نتصور ما نتج عن ذلك، من رمي ملايين النسخ من الكتب العلمية المكتوبة بالحرف العربي، من دون أن يثير ذلك أي اشمئزاز أو تحفظ، ليجبَر التلميذ ضمنيا على اقتناء الكتاب الفرنسي نفسه أو المكتوب بالفرنسية، ومن ثمّ، يعلق في شراك لغة لا تخصه لكنها تعنيه بحكم الأمر الواقع!
وإذا تناولنا الاقتراح الخاص باعتماد الفرنسية في السنة الثانية أساسي، وإقصاء الإنجليزية من هذا الطور تماما، سنرى لاحقا اضطرابا في تفعيل هذا الاقتراح الذي أراده أصحابه استعجاليا، فكان أن رأينا التلميذ الجزائري وهو في السنة الثالثة أساسي يدرس لغتين أجنبيتين إلى جانب اللغة العربية، وإذا أضفنا إليها الأمازيغية، تحوّل هذا التلميذ إلى “مكبّ” لغات يتشتَّت بينها، بل يغرق فيها فلا يكاد يُحسن إحداها!
ستبقى المدرسة الجزائرية عرضة لهذا الصراع اللغوي، الذي لا يراد له أن ينتهي، بين من يسعى في تكريس اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية الأولى ورمزا من رموز السيادة الوطنية التي تجب حمايتها من الإقصاء والتهميش والتحريف، ومن لا يزال أسير حلم استعماري قديم مضى على انطفائه اثنان وستون عاما، لكنه يملك من الإصرار وقوة النفوذ في مواقع القرار، ما يدعوه للاستمرار في محاولاته إلى اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!