محبوب الجماهير!
شاءت الأقدار أن يتوفـّى الضابط الطيّب والمحترم “عمّي أحمد”، بين عائلته الكبيرة ووسط أبنائه وأحفاده، بمسقط رأسه بتغنيف بولاية معسكر، ولأن الله يحبّه، فقد صلـّى العصر وانتقل إلى جوار ربه، راضيا مرضيا، ولأن والديه “داعيين عليه بالخير”، فقد دُفن في قبر شقيقه الشهيد.
هكذا، هم الكبار والمحترمون والصدّيقون، يعيشون ويموتون بين أهلهم وذويهم، وإذا قدّر الله وكانوا بعيدا عنهم، فيجدون الأصدقاء والجيران والأحباب، قبل أن يُنقلوا إلى عائلتهم، وهناك يُشيّعون ويُدفنون ويكرّمون ويُذكرون، فرحمة الله على كلّ هؤلاء الذين “عاشوا ما كسبوا ماتوا ما خلاو”.
الكثير ممّن يعرفون “عمّي أحمد” حضروا الجنازة، والعديد منهم من أبناء مدينته، ومن أبناء مهنة الأمن، ومن الرياضيين والمناصرين وكذا المواطنين البسطاء، الذين عرفوا الراحل بسيطا كريما هادئا حلاّلا للمشاكل ومطفئا بارعا للنيران والحرائق التي كانت تشعلها الأحداث، انطلاقا من طبيعة المهمة النبيلة التي كان مكلفا بها.
من أحداث الخامس أكتوبر 88، إلى عشرية “المأساة الوطنية” ومكافحة الإرهاب، انطلاقا ومرورا ووصولا إلى تسيير المقابلات الرياضية، في مرحلة السلم و”الحرب”، كان “عمّي أحمد” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، مفتاحا للسلام ولؤلؤة حاضنة للطمأنينة، وقد قالها أحد الذين عرفوه عن قرب: عندما يكون عمي أحمد حاضرا في الملعب أو خارجه، أكون مطمئنّ البال.
لقد جمع “عمّي أحمد”، بين صرامة وجدّية الشرطي والضابط ورجل الأمن، وبين طيبة الإنسان ورحمته وهدوئه وعفوه وحكمته، فكان جموع المتعاملين معه، يُعاملونه “معاملة خاصة”، بما خدمه وخدمهم وخدم أيضا الجهاز الذي اشتغل فيه إلى غاية تقاعده.
يستحقّ “عمّي أحمد” لقب “محبوب الجماهير” مثلما أطلقه عليه محبوه ومشيّعوه إلى مثواه الأخير، فقد عاش هذا الضابط ومات متواضعا مفاوضا للكبير والصغير، وللمصيب والمخطئ، ولم يتكبّر ويركب وظيفته لممارسة “الحقرة” والتعاطي بخشونة وعنف، وهذا هو ربما سرّ نجاحه.
“سرّ المهنة” هو الطريق إلى النجاح أو الفشل، و”عمّي أحمد” رحمه الله، وألهم ذويه وكلّ من عرفه جميل الصبر والسلوان، أتقن مهنته وأبدع في مهمته، ونجح في تغليب إيجابياته على “سلبياته”، فلكلّ إنسان هفوة، ولكلّ حصان كبوة، وقياس الميزان يكون بما ثقلت كفته وليس بما خفّ وزنه!
ليس غريبا لو بكى الرجال، وذرف هؤلاء وأولئك دموع الحزن والأسى والحسرة، كلما رحل كبير ومحترم وحكيم ونزيه ونظيف وطيّب، فكلنا في حاجة إلى خدمات هذا النوع من البشر.. لكن كلّ شيء، يولد صغيرا ثم يكبر، إلا الموت يولد كبيرا ثم يصغر، ولا يبقى إلاّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام.