الرأي

محبّة الله: قوت القلوب وغذاء الأرواح وقُرَّة العيون

سلطان بركاني
  • 1283
  • 0

مهما فُتح للعبد في هذه الدّنيا من أبواب الخيرات والنّعم والبركات التي تقرّ بها عينه ويسعد بها قلبه، فإنّه لن يجد أحلى ولا أهنأ من نعمة معرفة مولاه وامتلاء قلبه بمحبّة خالقه ورازقه سبحانه، وحسن ظنّه بربّه اللّطيف الخبير؛ نعمة تمتلئ معها حياة العبد سعادة وسرورا وأنسا وحبورا، في الحديث الصحيح أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يلقى في النار”.

 المحروم حقا في هذه الحياة الدّنيا من لم يذق لذّة محبّة الله، ومن عاش حياته ينظر إلى الصلاة والصيام والصدقة وقراءة القرآن على أنّها تكاليف شاقة يؤدّيها خوفا من العقاب وفرارا من العتاب، لا يجد للصلاة طعما ولا للصيام لذّة ولا لقراءة القرآن حلاوة.. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه “مدارج السالكين”: “المحبة هي المنزلة التي تنافَس فيها المتنافسون، وعليها تفانى المحبُّون، وبروح نَسيمِها تروَّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمها فهو في جملة الأموات، والفوز الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عُدِمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام، واللذَّة التي مَن لم يظفَر بها فعيشُه كله هموم وآلام…”.

محبّة الله نعيم عاجل في الدّنيا وجنّة وارفة في الآخرة؛ لا تطيب الحياة إلا بطلبها والسعي لتحصيلها، قال أحد الصّالحين: “مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؛ محبة الله تعالى ومعرفته وذكره”، وقال آخر: “إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا”، وقال آخر: “إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب”.. وأعظم ما يوصل إلى محبّة الله أن يتعرف العبد إلى خالقه ومولاه ويتدبّر أسماءه وصفاته، ويتأمّل صنيعه في خلقه ويقف على حسن تدبيره لشؤونهم ولطفه بهم، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “من عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته أحبّه لا محالة”.

وكيف لا تمتلئ القلوب بمحبّة من جعل من أسمائه وصفاته أنّه غفور رحيم، يغفر الذّنب ويقبل التّوب؟ يقبل توبة عبده ولو بلغت ذنوبه عنان السّماء، ولو كانت ملء الأرض.. يقول سبحانه، كما في الحديث القدسي: “يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي.. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.. يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة”.. بل إنّ الغفور الرّحيم قد يبتلي عبده بالوقوع في الذّنب، ثمّ يعينه على التوبة والاستغفار، ثمّ يغفر له ويبدّل سيّئاته حسنات ويرفعه درجات، فيكون العبد بعد الذّنب والتوبة خيرا منه قبلهما. في صحيح مسلم أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم”.

غفور يغفر الذّنب، ويفرح بتوبة عبده ويتلقّاه بالبشر، وفوق ذلك يستره، لأنّه سبحانه الستّير، يستر عبده ويخفي ذنوبه ومعاصيه وعيوبه عن خلقه، ولو علموا بما يفعل لأبغضوه وتركوه: يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الربّ سبحانه: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته».

كيف لا تمتلئ القلوب بمحبّة الله وهو سبحانه أرحم الراحمين؛ أرحم بكلّ عبد من عباده من أمّه وأبيه والنّاس أجمعين؟ في الصّحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى يوما امرأة في السبي تبحث عن وليد لها، فلما وجدته ألزقته ببطنها فأرضعته، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه فقال: أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟! قالوا: لا يا رسول الله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “لله أرحم بعباده من رحمة هذه الأم بولدها”.

قد يسلك العبد طريقا فيها فساد دنياه وأخراه، فيضع اللطيف العقبات على طريقه، ويبتليه حتى يرجع عن تلك الطريق، وقد يطلب العبد المال الكثير، فيعطيه الله منه القليل، لأنّه سبحانه يعلم ضعف عبده ويعلم أنّ المال سيطغيه ويفسد عليه آخرته.. وقد يطلب العبد الذرية ويبذل كلّ الأسباب ليكون له الولد والولدان والثلاثة، فيأبى الله إلا أن يحرمه، لعلمه سبحانه أنّه لا طاقة له بتربية الذرية وأنّها ربّما تكون سببا لضنكه في هذه الدنيا وخسارته في الآخرة.. ربّما يملّ عبد من عباد الله من الذرية ويقرّر التوقّف عن الإنجاب، فيرزقه الله ولدا لم يكن ينتظره، يكون سببا لسعادته في الدنيا والآخرة.. ربّما ينسى العبد دينه وآخرته ويقبل على الدنيا إقبال من يخلد فيها، فيريد الله أن يخرج الدنيا من قلبه ويفكّ أسره من سجنها، فيبتليه بمرض تَظهر له معه حقارة الدنيا، فيتوب ويصلح.. وربّما يبتليه بمرض يقعده، فيكفّ عن ظلم النّاس وعن أخذ الحرام، ويلتفت إلى نفسه فيصلحها، وقد يحفظ مع ذلك القرآن والأذكار، وكم من عبد لله تاب واستقام وحفظ القرآن في مرض أو سجن.. هذه رحمته -سبحانه- بعباده في الدّنيا، كيف رحمته بهم في الآخرة! يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه”.

كيف لا تمتلئ قلوبنا بمحبّة الله وهو سبحانه أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين؟ يحبّ أن يسأله عبده ويرفع إليه حاجته، ولا يملّ سبحانه من سؤال السائلين؟ بل إنّه سبحانه يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين: يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، ويقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: “من لم يسأل الله يغضبْ عليه”، ويقول أيضا: “إنّ ربّكم -تبارك وتعالى- حييُّ كريمٌ يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صفراً”.

كيف لا تمتلئ قلوبنا بمحبّة الله وهو سبحانه الودود الذي يتودّد إلى عباده برحمته ونعمه -وهو الغنيّ عنهم سبحانه- ليحبّوه؟ يعصيه عبده، فيمهله ويعافيه ويرزقه، فإن استحيى العبد وعاد قبله، وإن ظلّ معرضا ابتلاه ببعض المنغّصات حتّى يكره المعصية ويعود إلى مولاه سبحانه.. يُروى أنه كان فيمن مضى شابٌّ عبدَ الله تعالى 20 سنة، ثم عَصَاه عشرين سنة، ثم نظر يوما فرأى الشّيب في لحيته، فساءه ذلك، فقال: إلهي، أطعتُك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزّمان أن يقول للشابّ: “أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك”.

في بعض الآثار الإلهية أنّ اللَّه -عزَّ وجلَّ- يقول: “ابن آدم ما أَنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ. كَمْ أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَأَنَا غَنِيٌّ عَنْكَ، وَكَمْ تَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيَّ، وَلا يَزَالُ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ يَعْرُجُ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ”.

قال ابن القيم -رحمه الله-: “ليس العجب من مملوك يتذلّل لله ويتعبّد لـه، ولا يملُّ من خدمته مع حاجته وفقره إليه، إنما العجب من مالك يتحبّب إلى مملوكـه بصنوف إنعامـه، ويتودّد إليه بأنواع إحسانه، مع غناه عنه.. كفى بِكَ عِـزّا أنك له عَبْد * وكَفَى بك فخرا أنه لك ربٌّ”.

كيف لا تمتلئ قلوبنا بمحبّة مولانا وهو اللطيف الخبير الذي يدبّر أمورنا بلطفه الخفيّ، ويسوق إلينا الخيرات والبركات من حيث لا نعلم ولا نحتسب؟ ووالله لو فقهنا عن مولانا كيف يدبّر أمورنا وأمور الخلائق لخفقت قلوبنا وطارت أرواحنا من محبّته. يقول أحد الصالحين: “والله لو علم العبد كيف يدبر الله أموره لذاب قلبه من محبته”.

في قصّة نبيّ الله يوسف عليه السّلام، من كان يتوقّع أنّ فراق الولد لوالده كلّ تلك السّنوات سيكون من بعده التمكين في الأرض واللقاء الموعود وردّ البصر إلى الوالد المكلوم؟ في قصّة نبيّ الله موسى عليه السّلام، من كان يتوقّع أنّ نبيّ الزّمان سيتربّى في حجر أفجر طاغية كان يقتل الأبناء حتى لا يظهر النبي الموعود؟ من كان يتوقّع أنّ خروج نبيّ الله موسى من مصر خائفا يترقّب، سيكون من بعده الزّوجة الصالحة، وأعظم من ذلك تكليم خالق السماوات والأرض؟

((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)) (الشورى: 19).. من لطفه بعباده أنّه يدبّر أمورهم بألطافه من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون..

مقالات ذات صلة