الرأي

محشر جمعية العلماء المسلمين

الشروق أونلاين
  • 1921
  • 5

في زيارتي إلى عاصمتنا المحروسة “الجزائر”، زرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للسلام ولشؤون تتعلق بالأبحاث العلمية في التاريخ والحضارة والفكر والإصلاح. وقد كانت زيارتي لمقر الجمعية هي الأولى بالنسبة إليّ، وقد صُدمت بكل ما تحمله الكلمة من معان.. صُدمت لأنني وجدت الجمعية في مقر أقرب إلى أن يكون محشرا (فوريار) من المحاشر التي لا تليق بالبشر، فما بالك بصفوة الأمة وهم علماؤها وأساتذتها وخيرة أبنائها وبناتها…

مبنى مهترئ، قديم، ضيق، ليس فيه حتى قاعة لاستقبال الضيوفوتذكرت وأنا أنتظر بعض الزملاء كالأخ عبد الحميد عبدوس الصحفي المعروف، الذي لم أره منذ سنوات.. تذكرت ما قصه عليّ أحد الأساتذة الذين أتيحت لهم فرص زيارة أندونيسيا في إطار عمل علمي وثقافي؛ حيث شارك في ملتقى هناك قبل مدة، كما تذكرت ما قصه الدكتور عبد الله حمادي عندما زار ندوة العلماء في الهند.. وقد قص كل واحد منهما ما يثير الدهشة من جهة والحُبور من جهة أخرى.

أما في أندونيسيا فالجمعية التي دعت إلى اللقاء ـ المؤتمر العلمي الديني ـ هناك، لديها عديد المقار ومنها المقر المركزي الذي يرتفع خمسة طوابق كاملة في حي من أجمل وأرقى الأحياء، بإدارات ومصالح ومكاتب واسعة نظيفة في كل طابق، بتنظيم وتوزيع بديع للمصالح المختلفة والإدارات المتنوعة. ومثل ذلك في الهند لدى ندوة العلماء الشهيرة ومن كبار علمائها العالم الفذ أبو الحسن الندوي رحمة الله عليه الذي استضافته الجزائر عديد المرات في ملتقيات الفكر الإسلامي.

الحديث هنا عن المكان فحسب، وللمكان رمزيته ودلالاته، وأعتقد أن ميراث جمعية العلماء وجهودها وما قدمه رجالها الكرام من علماء ودعاة ومجاهدين وغيرهم كثير يستحق مكانة أفضل وأرقى، وإن يكن الفضل للشعب الجزائري كله، بالنسبة للثورة التحريرية المباركة، لكن جهود الجمعية لا ينكرها أحد.. ومقامها في القلوب والعقول مقام كبير، ورصيدها في التنوير والإرشاد والتثقيف والتغيير والعمل في سبيل الله أولا، وفي سبل خدمة الوطن ولغة الوطن ثانيا، شيء لا ينكره أحد..

إن مقتضى ذلك الميراث ومقتضى الوفاء لجزء من تاريخنا يقتضي أن يكون للجمعية، في الحد الأدنى، مقر مناسب، ولا أقول كبيرا أو فخما، مقر قابل لاستيعاب أنشطتها ومحبيها وأنصارها والعاملين فيها، ويسعفها في أداء واجباتها تجاه الوطن في ظل الظروف التي نعرفها جميعا؛ خاصة وأن اشتغالها الأساسي في مجال الدعوة والتربية والتعليم وتمتين نسيج المجتمع وحراسة مبادئه والذب عن حياضه أمر معروف للجميع، أقول للجميع، حتى لا يبقى أحد في ريبة من أمره في هذا الخصوص.

سأقولها بصراحة: لم أفهم حتى الآن ما رأيتُه، ولم أستوعب كيف يمكن لجمعية وطنية كبيرة ضاربة في عمق الحياة الجزائرية تاريخا وجغرافيا أن يكون أمرها بهذا الشكل؟

لعل أحدا، شخصا أو مؤسسة، يترفق بالشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس في قبره ويرسل إليه شعاع فضل وخير وينقل الجمعية من هذا المحشر إلى فضاء واسع يليق بعظمة ومجد وجهد ونضال الشيخ عبد الحميد بن باديس عليه رحمة الله، والثلة المتلألئة من أصحابه وتلاميذه.

ليس هذا رجاء، وإنما تذكير بواجب حقيقي ملموس، واجب توفير الحد المناسب لجمعية كبيرة عاملة نشيطة مجتهدة، منفتحة، ظاهرة الأهداف، بيّنَة المقاصد، يتطوع الآلاف من الرجال والنساء فيها بما لديهم للقيام بواجبهم وأداء المطلوب منهم..

أليس من حق هذه الجمعية على سلطات البلاد، على المستوى المركزي، كما على المستوى المحلي، في كل ولاية وحاضرة أن تجد (من الجد والجدية) بما يهيء لها ما يسمح لها بتعزيز أدوارها وتعضيد جهودها وتعظيم نفعها للوطن وأبناء وبنات الوطن؟

إننا نعلم جميعا أن هناك جمعيات وهيئات لا تعدل في نشاطها وأعمالها عُشر ما تقدمه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مجال واحد وهو مجال النشاط الثقافي والفكري، ومع ذلك فهي تنعم بمقرات وفضاءات وأمكنة واسعة رحيبة، بقاعات محاضرات وصالاتمما لا يُستخدم منه إلا النادر وفي أويقات قليلة على مدار العام.

 

إن هذه الجمعية المباركة تقوم بدورها قدر المستطاع، مستعينة بالله جاهدة في سبيل التقويم والترشيد والتوجيه الديني والثقافي، وقد أكدت مرارا على أنها جمعية الجميع، وأنها أم الجمعيات.. لكن معاملتها على هذا النحو غير اللائق سيسجله التاريخ في صحائفه بسطور سود، فلنرفع الغبن، وهذا واجب ديني وأخلاقي ووطني، ولنحرص على إقامة موازين العدل والإنصاف.

مقالات ذات صلة