محمود المسعدي نبي الحداثة المعطوبة
هذه الورقة، لا أريد من خلالها العودة إلى تفكيك نصوص الأديب محمود المسعدي التي قضيت في قراءتها ودراستها أزيد من خمس سنوات، وقد أفردت لها بحثين مطولين في كتابَيَّ “عودة الإنتلجانسيا” و”صورة المثقف في الرواية المغاربية: المفهوم والممارسة” ولكني أريد في هذا المقام، ونحن نحتفي بمئوية ميلاده، أن أستجمع، في هذه المداخلة، أهم ما كان يشغلني من إشكاليات تحيط بالمثقف محمود المسعدي بوصفه ظاهرة ثقافية وأدبية نصية حداثية مغاربية وعربية.
- وتحاول هذه الورقة أيضا استقراء أسباب عطب هذه الحداثة التي مارسها إبداعا ورفع لواءها محمود المسعدي في الكتابة السردية وفي الرؤية التي تهندسها.
إن مقاربة مناخات تاريخ النثرية السردية المغاربية والمشرقية الحديثة والمعاصرة باللغة العربية والممتدة على مدى القرن العشرين والمتمثلة في جملة من الكتب العلامات livres phares تشعرنا بأن كتابات محمود المسعدي الإبداعية السردية منها والحكمية وكذا كتابات جبران خليل جبران تأتي على رأس هذه الكتابات، وأنها كانت من النصوص الأولى المبشرة بتأسيس بداية مرحلة جديدة هي مرحلة النثرية الداخلية الباحثة عن زحزحة هيمنة سلطة الشعرية التقليدية المنبرية التي سادت الخطاب الأدبي العربي لقرون.
وإذا كان جبران خليل جبران قد أثر في جميع أجيال الكتابة التي جاءت بعده، دون استثناء، ولأسباب جغرافية وثقافية فإن محمود المسعدي لم يحظ بهذا الحظ الانتشاري وبهذه القروئية التي عرفتها كتب جبران، مع أنهما كانا يلتقيان كثيرا في الكتابة التي تدين التخلف الحضاري والاستبداد الديني والمرافعة لصالح الحرية الفردية والجماعية، وهما في ذلك كانا أيضا يقفان في الموقع ذاته من الآخر لغة وفكرا ومن الذات العربية في نكستها ومن اللغة العربية ومن الحلم الفردي والجماعي الذي يعمر الوجود.
وفي شقاء التأسيس الحداثي هذا، كانت الكتابة كمشروع حضاري عند الأديب محمود المسعدي مفتوحة على كل رياح الكتابة القادمة من التراث العربي تارة ورياح ثقافة الآخر، فالمسعدي مثقف مزدوج اللغة يقرأ بهما (العربية والفرنسية) وبهما يكتب أيضا.
وعلى الرغم من إقرار النقاد ومؤرخي الأدب بولادة سلالة خطاب أدبي جديد على يد محمود المسعدي وهو ما لمسناه في “السد” و”حدث أبو هريرة قال” و”مولد النسيان” إلا أن هذه المشروع المتنور لم يتواصل في التناسل الأدبي ولم يتمكن من التحول إلى مدرسة مغاربية جديدة قادرة على تفريخ سلالات من الكتابة والكتاب.
وعلى الرغم من كل التميز الذي عُرفت به التجربةُ الأدبيةُ “المسعدية” على المستوى الفردي التجريبي إلا أن عطبا كان يتربص بها يختبئ في جملة من الشروط الثقافية والتاريخية والجغرافية فيحجم من رسالة نبي الحداثة هذا.
إذا كان أنبياء الدين يجيئون من الشرق، وهم جميعهم كانوا كذلك، فأنبياء أخر، أنبياء الحداثة قد يجيئون من المغرب، أنبياء الحداثة والاختلاف والعقلانية، ابن رشد وابن حزم والإدريسي وابن خلدون والنفزاوي والمسعدي… وغيرهم.
وفي هذه الورقة نتساءل ونحاول أن نوصف هذه الأعطاب وخلفيات هذه الأعطاب والتي تقف وراء إخفاق هذا المشروع الحداثي في الكتابة السردية الذي أطلقه محمود المسعدي منذ قبيل الحرب العالمية الثانية.
لا حداثة دون قارئ حداثي:
لا نبي دون قوم، مبدئيا إننا نعتقد أن الحداثة الأدبية عند العرب كما هي عند غيرهم من الشعوب صانعها ليسوا فقط الكُتَّابُ المبدعون المتنورون، أو ما أسميهم: بالأنتلجانسيا الابداعية.
إن الحداثة في الأدب ليست مشروع الكاتب المبدع لوحده، بل إنها شراكة ثقافية وذوقية وحضارية طرفها الثاني هو القارئ الذي يعطي لمثل هذه الحداثة مشروعيتها السوسيولوجية، أي امتدادها الواقعي التاريخي واليومي.
قارئ هو بدوره خاضع لطاحونة من العوامل الثقافية والتربوية والدينية والسياسية والأخلاقية.
تجربة محمود المسعدي الحداثية أمام صخرة المحافظة لدى القارئ
بشكل عام، إن بنية عقل وذوق القارئ العربي هي أساسا بينة دينية محافظة، أو بيانية شعرية، وأن هذه المحافظة التي تعشش في رأس وسلوك هذا القارئ هي التي تحجم، وبشكل لا واع، من حرية الكاتب ومن مغامرة النص.
إنه الرقيب.
إن القارئ العربي اليائس هو قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية وقت في وجه الكاتب العربي الخارج عن “القطيع”، إن هذا القارئ، وفي مرات كثيرة، يخيف المبدع أكثر مما تخيفه مؤسسات الرقابة والمنع البوليسية التابعة للأنظمة العربية المستبدة والفاسدة.
إن القارئ العربي المعاصر يسير بين الكتب بحزام ناسف جاهز للتفجير عن بعد من قبل جهات ضد كل تنوير.
وأعتقد أن محمود المسعدي هو الكاتب العربي المعاصر الوحيد الذي رهن وبشكل كبير الكتابة لحرية الإبداع، فبين يديه تحرر النص ومعه حقق انعتاقه، ولم يرهن هذا الكاتب النص لقارئ محاصر مسبقا بالمحافظة والتدين المتناقضتين أو المتعارضتين مع بينة الجنون في الإبداع.
(يتبع)