محنة الرأي الآخر في بلاد العم سام
صحيح أن هناك في أمريكا أكثر من عشرة آلاف صحيفة ومجلة ومئات الإذاعات والتلفزيونات، إلا أنها تبدو للخبراء الإعلاميين كما لو أن لها رئيس تحرير واحداً لا شريك له.
- بعبارة أخرى، علينا أن لا نـُخدع أبداً بهذا الكم الهائل من وسائل الإعلام الأمريكية، وأن لا نعتبرها بأي حال من الأحوال نوعاً من الديموقراطية والتعددية الإعلامية. فالعبرة ليست أبداً في العدد، بل في المحتوى.
- فلو استمعت ذات مساء لنشرات الأخبار في عشرات القنوات الأمريكية المحلية لأخذت فعلاً انطباعاً بأنها خارجة من مطبخ تحرير واحد. صحيح أن بعض القنوات قد تبدأ نشراتها بأخبار مختلفة، لكن ذلك ليس مؤشراً على تنوع الرؤى والتوجهات الإعلامية، بل مجرد تلاعب مفضوح في ترتيب الأخبار لا أكثر ولا أقل.
- بعبارة أخرى، فإن الاختلاف في العناوين الرئيسية هو لذر الرماد في العيون، لأن الأخبار في كل القنوات تقريباً هي نفسها مع وجود بعض التعديلات في الأولويات. أما المحتوى فهو ذاته تقريباً، لأن الذين يمسكون بخناق هذا الكم الرهيب من وسائل الإعلام يعدون على الأصابع، إلى حد أن بعض خبراء الإعلام يجزم بأن عدد العائلات المتحكمة بالإعلام الأمريكي لا يتجاوز أربع عائلات، وبالتالي، فلا عجب أبداً أن يكون هناك ضبط محكم للمواد الإخبارية والإعلامية بشكل عام. وبالتالي فإن ما يسمى بالديموقراطية الإعلامية في بلاد العم سام مجرد ضحك على الذقون، وأن الرأي الآخر يكاد يكون شبه غائب في الإعلام الأمريكي.
- ولو أحصينا عدد الأصوات الإعلامية المعارضة في الولايات المتحدة لما وجدنا أكثر بضعة اصوات، لا بل إن أحدها وهو ديفيد ديوك لم يستطع العيش داخل بلاده بسبب الضغوط والتهديدات فاضطر للهرب إلى خارج أمريكا. هل يعقل أن السواد الأعظم من الصحفيين والإعلاميين الأمريكيين ينتمون إلى ما يسمى بإعلام الـ Main Stream؟ فلا تغرنكم الشعارات الأمريكية البراقة، فهي مجرد خدع ينبهر بها فقط الشعب الأمريكي الذي يعتبر من أكثر شعوب العالم جهلاً بالسياسة والقضايا العالمية. وبالتالي يجب أن لا نتعجب عندما نستمع إلى رجل أعمال أمريكي وهو يجزم بأن صحراء نيفادا موجودة في الباكستان، مع العلم طبعاً أنها صحراء أمريكية تجري فيها التجارب النووية. ولو تابع المرء وسأل ذلك الرجل الأمريكي اين تقع الباكستان لربما قال في استراليا. باختصار فإن غالبية الأمريكيين لا يميزون »كوعهم من بوعهم« عندما يتعلق الأمر بالإعلام والسياسة والمعلومات العامة، فهم شبه معزولين عن العالم، وغالبيتهم لا يمتلكون جوازات سفر لأنهم يقضون معظم حياتهم داخل الولايات الأمريكية.
- مع ذلك فلو سألت أحدهم عما إذا كانت وسائل إعلامهم ديموقراطية وتعددية لأجابوا بالإيجاب، لأن معرفتهم باللعبة الإعلامية الأمريكية ضحلة جداً.
- هل سمع الأمريكيون بخبرين هامين للغاية دحضا تماماً خرافة الديموقراطية الإعلامية الأمريكية التي يتشدقون بها؟ بالطبع لا، وحتى لو سمعوا لربما وصلتهم المعلومة مجتزأة أو محوّرة أو مغلوطة عمداً، فالإعلام الأمريكي، كما أسلفت، محكوم بضوابط سياسية صارمة للغاية والويل كل الويل لمن يحاول تجاوزها. قبل أسابيع فقط تعرضت اشهر صحفية أمريكية للطرد من منصبها كأقدم مراسلة تغطي أخبار البيت الأبيض لأنها عبرت عن رأي خاص أظهرت فيه تعاطفها مع الشعب الفلسطيني، وطالبت بأن يعود اليهود إلى أوروبا موطنهم الأصلي. فثارت ثائرة البيت الأبيض ومعظم المؤسسات الإعلامية الأمريكية، فاضطرت السيدة توماس ذات الأصل العربي السوري “هيلين طنوس” إلى الاستقالة تحت وابل الانتقادات والتهديدات. ولم يشفع لها عملها في الميدان الإعلامي لأكثر من أربعين عاماً، ولا خبرتها الإعلامية ولا مواكبتها لعشرة رؤساء في البيت الأبيض من الانقلاب عليها فجأة بعد إدانتها للاحتلال الإسرائيلي والتسارع إلى الإعلان عن التخلي عنها رغم وصفها بسيدة البيت الأبيض الأولى. لماذا؟ لأنها حادت عن الخط السياسي المرسوم للإعلام والإعلاميين الأمريكيين.
- وها هي شبكة »سي أن أن« تطرد الإعلامية “أوكتافيا نصر” لنشرها رسالة تعرب فيها عن إعجابها بشخصية العلامة الراحل حسين فضل الله، فقد قررت الشبكة الإخبارية الأمريكية طرد الإعلامية الأمريكية من أصل لبناني رئيسة قسم الشرق الأوسط في الشبكة بسبب رسالة إلكترونية نشرتها وضمنتها رأياً إيجابياً بالعلامة الراحل محمد حسين فضل الله، مما يفضح حرية التعبير المزعومة التي تتغنى بها مواقع القرار السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة الأمريكية.
- قرار الطرد الذي أصدرته الشبكة بحق “نصر” استند إلى رسالة الكترونية بسيطة كتبتها على موقع تويتر أشادت فيها بالعلامة الراحل فضل الله وعبرت عن حزنها العميق لتبلغها نبأ وفاته واحترامها الجم لشخصيته.
- ورغم أن نصر أوضحت أن إعجابها بالعلامة فضل الله نابع عن مواقفه وتصريحاته الداعمة لحقوق المرأة ودعواته المستمرة لعدم التمييز ضدها إلا أن باريسة خوسرافي نائبة رئيس القسم الدولي في الشبكة قالت إنها بحثت الأمر مع “نصر” وقررت أن عليها أن تغادر المحطة معتبرة أن تعليقها خلق ردود فعل كثيرة وأن مصداقيتها كصحفية متخصصة بشؤون الشرق الأوسط قد اهتزت.
- كيف نلوم الحكومات العربية عندما تطرد إعلامياً أو صحفياً من عمله عندما يحيد عن الخط السياسي العام بعد أن رأينا بأم أعيننا طرد صحفيتين أمريكيتين من عملهما لمجرد أنهما عبرتا عن رأي مختلف للرأي السياسي السائد في الأوساط الإعلامية الأمريكية؟ أليس حرياً بنا أن نتوقف عن تعيير حكوماتنا بديموقراطية العم سام؟
- هل كانت شبكة »سي أن أن« ستطرد أوكتافيا نصر لو أنها عبرت عن إعجابها بنتنياهو؟
- قال ديموقراطية قال!