مداواة الطاعون بالأسبرين!
لامني أحد القرّاء، وهو مشكور على لومته، أن أغلب وسائل الإعلام، أصبحت تتفنن في نقل السيّء والأسوإ، وكأن لا جميل ولا أبيض في هذا الوطن الجميل، ولا أخبار سوى أخبار القتل والمخدرات والاعتداءات والتشاجر والسرقة والنهب والفساد والانحراف!
نعم، هي مقاربة واقعية وصحيحة، لكن أين هو الخلل وأين الحل؟ هل البديل هو تبييض كلّ أسود؟ هل الحل هو تغطية الشمس بالغربال؟ هل البديل هو التستّر على كل تلك “العورات” والمآسي التي تنخر جسم المجتمع؟ هل الحلّ هو إخفاء الواقع بجرائمه ومهازله وفضائحه؟
قد تكون عملية تسويد كلّ أبيض انحرافا، بل “جريمة” كذلك، إذا كانت تهدف في ما تهدف إليه، إلى قتل الأمل باليأس ودفن التفاؤل في مقبرة التشاؤم والقنوط والعياذ بالله.
قال لي أحد الشيوخ الحكماء والمخضرمين، في جلسة عقل وهدوء، إن ما تنشره الصحافة اليوم، ليس جديدا، وكلّ هذه الأخبار التعيسة والمؤلمة والحزينة، كانت موجودة في قلب المجتمع خلال سنوات الحزب الواحد والإعلام الواحد.
إذن، عملية النقل والتركيز والتسويق و“التشهير“، هي التي سلكت طريق التضخيم والتهويل، وأحيانا الخوف من تكرار الجرائم والانحرافات والضربات من باب التقليد والتعايش، ومن باب “إذا عمّت خفّت“، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم!
المشكلة الكبيرة التي نواجهها جميعا، بكلّ ألم وأسف، بنخبتنا ومثقفينا وأميينا ورجال ديننا وسياسيينا وأطبائنا، أننا نقرأ الخبر “المثير” من شاكلة “ذبح ونكح ونبح ونوّح“، لكننا بعدها نتنهّد وننتقد مثل هذه الأخبار التي تبقى جزءا مريرا من مجتمع أصبحت تأكله الأمراض المستعصية!
الحلّ، لن يكون بالسكوت عن هذه التراجيديا، ولا بتضخيمها أيضا.. لن يكون بالتهويل ولا بمداواة الطاعون والكوليرا بالمسكنات والأسبرين، مثلما لن يكون بالتقليل والتعليل ونشر الغسيل و“التبهديل“، ولكن قد يكون بالمعالجة والتي هي أحسن، في الصحافة والمساجد والمدارس والجامعات، في الشارع والنوادي، وفي الأحزاب، ومن طرف السلطات التنفيذية والإدارة، كلّ حسب صلاحياته ووظائفه.
صحيح أن المتابع للأخبار اليومية المهرّبة والمسرّبة من عمق المجتمع، يُصاب بالذهول واليأس ويبلغ عتبة الجنون، لكن لا فائدة من تغليف “النتانة” بورق السيليكوز، وإنّما علينا جميعا، تنظيف الجرح بالماء والصابون والمطهرات، شرط أن يكون المقصد العلاج حتى وإن كان بالكيّ، وليس نبشه وإثارة أوجاع هذا المجتمع المصاب.. شفاه الله وعافاه.