مسؤولون.. رهج!
مازالت الأمطار الطوفانية المفاجئة والموسمية تفضح المستور، وتعرّي إفلاس و”بريكولاج” المسؤولين في القمّة والقاعدة، وقد كتبنا قبل ثلاثة أيام فقط، أن من بين الحلول المتاحة لفضح المتلاعبين والبزناسية والمستهترين بحياة الزوالية والغلابى، وإغراق المشاريع في سوء التسيير، هو الانتقال من مرحلة زيارات العمل العلنية إلى الزيارات التفتيشية المفاجئة!
التساهل والتراخي والتسامح المفرط وغير المبرر، و”مسح الموس” في الأبرياء والأكفاء والشرفاء، هو الذي جعل مجرّد زخات أمطار عابرة إلى فيضان يجرف الأحياء والحجر ويقتلع الشجر ويقتل البشر!
لو نزل الرئيس والوزير الأول ومعشر الوزراء في زيارات مباغتة، في الليل أو النهار، لما حدث ما حدث أول أمس، بولايات الجزائر والبليدة وبومرداس، وولايات أخرى بالشرق والغرب، بسبب الأمطار المفاجئة التي حرّضت المنكوبين والمتضرّرين على الخروج إلى الشارع والاحتجاج!
مصيبة الكثير من المسؤولين، أنهم لا يتدخلون إلاّ بعد وقوع الفأس على الرأس، ولذلك تغرق المدن في فنجان، والسبب ليس الفيضان ولا “الكارثة الطبيعية”، وإنـّما في كثير من الحالات فإن سوء التسيير هو الذي يقتل، والعشوائية هي التي تشرّد العائلات وتحوّلهم في لمح البصر إلى منكوبين!
الغشّ والتدليس والسمسرة والبزنسة والبحث عن “تشيبا” وعمولة أو رشوة أصبحت كذلك وسيلة للإبادة الجماعية في حقّ مواطنين لا حول ولا قوّة لهم، ومن الطبيعي أن يخرج الغاضبون إلى الشارع، بعد أن سقطت الأسقف فوق رؤوسهم وأخرجتهم من بيوتهم في عزّ الشتاء!
إن ما حدث في براقي والكاليتوس وبرج منايل أول أمس، هو مجرّد نموذج لما تخفيه الربوات المنسية والأجزاء المتناثرة من الجزائر العميقة، ولا يحتاج الأمر الكثير من البحث والتحليل للوقوف عند الفروقات بين “جزائر هؤلاء” من المحظوظين و”جزائر أولئك” من المزلوطين!
مصيبة المصائب أن نفس الكوارث تتكرّر موسميا، وينتقل معها الرعب والمآسي من مدينة إلى مدينة، ومن حيّ إلى حيّ، والأخطر من كلّ هذا، أن الحساب والعقاب، يغيب أو يُغيّب، وبدل أن يخاف “المتهمون” فإنهم يتشجعون على تكرار الخطيئة، فيضيع الجمل بما حمل، وفي كلّ مرّة تسلم الجرّة!
سواء تعلق الأمر بوزير أو مدير أو وال أو مدير أو غفير أو سائق الحمير، فإن المتورط والمذنب يجب أن يُحاسب ويُعاقب، خاصة إذا ارتبطت الواقعة و”الوقيعة” بحياة أبرياء وضحايا عزّل ذنبهم الوحيد أنهم كانوا “لقمة صائغة” للفوضى المنظمة وعقليات “الفستي!”
الانتقادات اللاذعة التي أطلقها والي العاصمة على “الأميار” وهم بطبيعة الحال مسؤولون، وقد أسمعهم ما لا يرضون، واتهمهم بأكل “الرّهج” وسخر منهم بقوله “إن من العيب والعار أن يلبسون “الكرافاطة” وهم غير قادرين على تنظيف الشوارع من القمامة”، كانت رصاصات ساندها عامة المواطنين، لكن هل فعلا هذا هو المشكل الحقيقي في دائرة التسيير المحلي لشؤون الشعب والدولة؟
الوزير هو الذي يُراقب الوالي، والوالي عليه أن يُراقب رئيس الدائرة، وهذا الأخر بإمكانه محاسبة “المير”، لكن عندما يختفي هذا النظام من جدول أعمال سلـّم المسؤوليات، فمن الطبيعي أن يعمّ الفساد ويتنافس سوء التسيير مع تسيير السوء!