-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مسائل الخلاف.. بين الفطرة الهادية والنزعة الظاهرية

سلطان بركاني
  • 782
  • 11
مسائل الخلاف.. بين الفطرة الهادية والنزعة الظاهرية

من عجائب هذا الزّمان، وعجائبه جمّة، أن ترى عامّة المسلمين ممّن لم يطلبوا علوم الشّرع ولم يتعلّموا منها قليلا ولا كثيرا، يُهدون بنقاوة فطرتهم وحسّهم السّليم بروح الشّريعة الغرّاء، إلى الحقّ والصّواب في بعض المسائل والقضايا التي تطيش فيها سهام بعض العلماء وطلبة العلم المتشبّثين بظواهر النّصوص المتغاضين عن روحها المهملين لمقاصد الدّين التي من أهمّها التيسير ورفع الحرج.

من ذلك مثلا عدم التفات جماهير المسلمين إلى إصرار بعض العلماء ومن خلفهم كثير من طلبة العلم والتابعين لهم على تحريم التّصوير الفوتوغرافي، في زمن أصبحت فيه الصّورة سلاحا مهمّا ومؤثّرا، يمكن أن يستخدم لخدمة الخير كما يمكن أن يستخدم للشرّ، يمكن أن يوظّف في الدّعوة إلى الله، كما يمكن أن يوظّف في الصدّ عن سبيله، وما عاد يخدم دين الله أن يتشبّث أهل العلم بظواهر نصوص جاءت لقطع الطّريق أمام مضاهاة خلق الله، وهي الذريعة المنتفية في التصوير الفوتوغرافيّ الذي لا يعدو أن يكون نقلا لصورة خلق الله على الورق أو على ذاكرة الهاتف أو الكاميرا.. هذه الحقيقة أدركها عامّة المسلمين منذ البداية ولم يلتفتوا إلى الفتاوى التي تحرّم التّصوير الفوتوغرافي ولا ألقوا لها بالا، حتى توالت السّنوات وبدأ كثير من العلماء الذين كانوا يحرّمونه يعودون أدراجهم ليقولوا بإباحته.

ومن الأمثلة أيضا، إعراض جمهور الأمّة عن الفتاوى التي تحرّم إسبال الثياب لغير الخيلاء وتجعل مسبل الثياب من أهل النّار ولو كان إسباله تماشيا مع عرف سائد في مجتمعه ولا علاقة له بالكبر والخيلاء! لم يلتفت المسلمون إلى هذه الفتاوى ولم يرفعوا بها رأسا، لأنّهم يرون في الواقع أنّ إسبال الثياب لم يعد علامة يتميّز بها المتكبّرون، كما كان عليه الأمر في زمان مضى، حينما كان الأمراء وأصحاب الأموال يجرّون ذيولهم من خلفهم وربّما يَضطرّون الخدم والحشم لخدمة تلك الذّيول! أمّا في زماننا هذا، فقد استوى في إسبال الثياب الغنيّ والفقير، وأصبح عرفا سائدا لا يدلّ على شيء.

ومن الأمثلة أيضا تغاضي عموم المسلمين عن الفتاوى التي تمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهي الفتاوى التي يعاد نشرها على أوسع نطاق مع بداية النّصف الثاني من رمضان، من كلّ عام، وعلى الرّغم من أنّ المصرّين على نشرها يحاولون إيهام النّاس أنّ إخراج القيمة يعدّ مخالفة صريحة لأمر النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وفعل الصّحابة الكرام ولقول جمهور العلماء! إلا أنّ مئات الملايين من المسلمين يدركون بفطرتهم أنّ الشّرع الحكيم يأبى هذه الحَرفية، وهم يرون كيف أنّ النقود أصبحت عصب المعاملات، وكيف أنّ حاجة الفقير لم تعد تقتصر على سدّ جوعته، إنّما تتعدّى ذلك إلى شراء الدّواء والكساء والأدوات المدرسية لأبنائه، إضافة إلى حاجات كثيرة لم تكن من الضروريات في زمن مضى، وأصبحت حاجات لا يستغنى عنها في هذا الزّمان.. في زمن النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لم يكن النّاس يجدون أيّ صعوبة في توفير مساكن يأوون إليها، ولا كانوا في الغالب يجدون مشكلا في توفير أدوية لعلاج مرضاهم، ولا كانوا يحتاجون إلى مصاريف لتعليم أبنائهم، وكانت حاجاتهم الضرورية لا تتعدّى الطّعام واللّباس، وحتّى اللّباس كان في وسعهم شراؤه بالطّعام مقايضة، لذلك كان تداول دراهم الفضة الساسانية ودنانير الذهب الرومية يتمّ في نطاق ضيّق، على خلاف الواقع في زماننا هذا الذي أصبحت فيه النقود الوسيلة الوحيدة التي تمكّن من توفير الحاجات الضرورية.

الشّريعة الإسلامية إنّما جاءت لتحقيق المصالح قدر الإمكان ودرء المفاسد قدر الإمكان، وهذه الحقيقة لا تغيب عن أذهان العلماء الربانيين وهم يدرسون النوازل والقضايا المستجدّة في واقع النّاس، وقد يُهدى إليها عموم المسلمين بفطرتهم، وليس من اللائق أن يتغاضى عنها بعض المهتمّين بتحصيل علوم الشّريعة، فيُزروا بالدّين، ليس أمام المسلمين فحسب، إنّما أمام البشرية جمعاء.. ليس من الصّواب التّشكيك في نيات هؤلاء المتشبّثين بظواهر النّصوص، بل إنّ العدل يقتضي الشّهادة لهم بأنّهم يهدفون إلى إشاعة الاهتمام بنصوص الدّين وقطع الطّريق أمام من يحاولون تحييدها اتباعا للأهواء والأذواق، لكنّهم رغم ذلك مدعوون إلى الاهتمام بمكانة نصوص الشّرع بحسن فقهها ودراسة مقاصدها وليس بالوقوف عند ظواهرها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • قل الحق

    كان الاجداد رغم قلة علمهم و صفاء سرائرهم و طيبة قلوبهم يصلون الرحم و يحسنون الجوار و يغضون البصر و يطعمون الطعام و يكرمون الضيف و يعينون عابر السبيل و ينفرون من الحرام و يقدرون الكبير و يرحمون الصغير لا يغشون في البيع وووو كانت دعواتهم مستجابة الامطار تنزل و الاشجار تثمر و الخير في كل مكان، هذه هي السنة الحقيقية ، ماذا نفعل بملتح لا يلقي السلام الا على ملتح مثله و يجلس وسط النساء في المطاعم و يحملق في النساء في الشوارع و يتبع الموضة في الاقمصة و يشبع و جاره جوعان و لا يرحم اخوانه في السوق، كفى فاغلبية مدعي التزام اليوم ممثلون و تجار و الملتزمون الحقيقيون كالاجداد ذوي النوايا الطيبة و القلوب السليمة اغلبيتهم لا ترتدي قميص و لا تطلق لحية.

  • قل الحق

    لست ادري لماذا هنالك دائما من يحاول ان ينحرف بما يكتبه الاستاذ الى تاويلات يظهر جليا من مقالات الاستاذ انه لا يقصدها، لست ظليعا في العلوم الشرعية لكنني فهمت جيدا قصد الاستاذ فالانسان يولد على الفطرة طبعا، و الاثم ما حاك في صدرك و كرهت ان يطلع عليه الناس، و انما الاعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى، يكفي ان نلاحظ تقريبا ان غالبية العوام تنفر من التعامل بالربا و نستنتج هذا من القناطير المقنطرة من الاستفتاءات التي سمعناها منهم و التي اظطرت البنوك الى ادراج الصيرفة السلامية، لكنها لا تبدي نفس الاهتمام بالنسبة للبس نصف الساق لانها تعلم في قرارة نفسها انها لا تلبس سراويلها خيلاء، بالعكس الخيلاء اصبحت اليوم عند بعض الملتزمين الذين اصبحت ثيابهم موضة معينة بحد ذاتها اسعارها حسب الطلب و النوعية و سعر الاقمصة خير دليل.

  • بولعواد الصديق

    احسنت القول بارك الله فيك فمن يتامل في سبب تشريع زكاة الفطر يدرك انها تهدف الى التكافل بين المسلمين ومواساة الفقراء والمحتاجين واشاعة روح التضامن والمحبة بينهم وهذا يتحقق بدفع القيمة حيث يستطيع الفقير بعد ان يجمع ما امكن من المال ان يؤمن بعض حاجياته الضرورية في يوم العيد

  • بولعواد الصديق

    احسنت القول بارك الله فيك فمن يتامل في سبب تشريع زكاة الفطر يدرك انها تهدف الى التكافل بين المسلمين ومواساة الفقراء والمحتاجين واشاعة روح التضامن والمحبة بينهم وهذا يتحقق بدفع القيمة حيث يستطيع الفقير بعد ان يجمع ما امكن من المال ان يؤمن بعض حاجياته الضرورية في يوم العيد

  • بولعواد الصديق

    احسنت القول بارك الله فيك فمن يتامل في سبب تشريع زكاة الفطر يدرك انها تهدف الى التكافل بين المسلمين ومواساة الفقراء والمحتاجين واشاعة روح التضامن والمحبة بينهم وهذا يتحقق بدفع القيمة حيث يستطيع الفقير بعد ان يجمع ما امكن من المال ان يؤمن بعض حاجياته الضرورية في يوم العيد

  • خولة

    أحسنتم. رؤية واضحة ولغة عربية سليمة.

  • ميلود

    ويجوز حلق اللحية أيضا إذا كانت تظهر الشخص غير أنيق أو متسخ ،أو لضرورة الدعوة بحيث أصبح المداخلة على حد تعبيرك في كل مقالتك يشوهون صورة الإسلام !!! هذا ما تريد أن تصل إليه بمقالاتك ودعك من مصطلح الظاهرية الجدد وكن صريحا كما تريدك جريدة الشروق!!!

  • مواطن

    اللهم نبه حكام المسلمين للحفاظ على أمة محمد صلى الله عليه و سلم و ارزقنا عالما يجمعها آمين و السلام

  • جزاءري

    الدين هو الصدق مع الله والاخلاص له ولا شيىء آخر اهم من ذلك . اهمية كل ما يفعله اي مسلم منوطة بصدقه واخلاصه لله سواء كان جاهلا او عالما. مكانة العالم ساقطة ارضا اذا لم يكن صادقا مع الله مهما كان علمه. للأسف كثيرا مما يسمون علماء لا تستشعر منهم هذا الصدق بل تستشعر من كلامهم اشياء في نفس يعقوب .

  • الحبيب

    ما تقوله غريب جدا و خطير في نفس الوقت. اول مرة اعلم أن فعل العوام عامل ترجيح في المسائل الفقهية الخلافية. هذا الكلام لا أظن قال به حتى اصحاب الفقه المقاصدي .. لو طبقنا نفس منهجك لن يبقى حرام كالربا المتداول بين ملايين المسلمين و الغناء و الرشوة و الزواج بغير ولي بل حتى شرك القبور وووو.. الناس على ثلاث اصناف مجتهد متبع و مقلد فكيف جعلت المقلد حكما على المجتهد.

  • ابوحذيفة التقرتي

    و لكن اكثر الناس لا يعقلون، لا يعلموم ،لا يفقهون ، لا يشكرون هل يمكن ان ان نضرب مثلا من واقع الناس باللحية التي يحلقها غالبية المسلمين و نقول انهم اهتدو الى الصواب بفطرتهم؟