مسائل الخلاف.. بين الفطرة الهادية والنزعة الظاهرية
من عجائب هذا الزّمان، وعجائبه جمّة، أن ترى عامّة المسلمين ممّن لم يطلبوا علوم الشّرع ولم يتعلّموا منها قليلا ولا كثيرا، يُهدون بنقاوة فطرتهم وحسّهم السّليم بروح الشّريعة الغرّاء، إلى الحقّ والصّواب في بعض المسائل والقضايا التي تطيش فيها سهام بعض العلماء وطلبة العلم المتشبّثين بظواهر النّصوص المتغاضين عن روحها المهملين لمقاصد الدّين التي من أهمّها التيسير ورفع الحرج.
من ذلك مثلا عدم التفات جماهير المسلمين إلى إصرار بعض العلماء ومن خلفهم كثير من طلبة العلم والتابعين لهم على تحريم التّصوير الفوتوغرافي، في زمن أصبحت فيه الصّورة سلاحا مهمّا ومؤثّرا، يمكن أن يستخدم لخدمة الخير كما يمكن أن يستخدم للشرّ، يمكن أن يوظّف في الدّعوة إلى الله، كما يمكن أن يوظّف في الصدّ عن سبيله، وما عاد يخدم دين الله أن يتشبّث أهل العلم بظواهر نصوص جاءت لقطع الطّريق أمام مضاهاة خلق الله، وهي الذريعة المنتفية في التصوير الفوتوغرافيّ الذي لا يعدو أن يكون نقلا لصورة خلق الله على الورق أو على ذاكرة الهاتف أو الكاميرا.. هذه الحقيقة أدركها عامّة المسلمين منذ البداية ولم يلتفتوا إلى الفتاوى التي تحرّم التّصوير الفوتوغرافي ولا ألقوا لها بالا، حتى توالت السّنوات وبدأ كثير من العلماء الذين كانوا يحرّمونه يعودون أدراجهم ليقولوا بإباحته.
ومن الأمثلة أيضا، إعراض جمهور الأمّة عن الفتاوى التي تحرّم إسبال الثياب لغير الخيلاء وتجعل مسبل الثياب من أهل النّار ولو كان إسباله تماشيا مع عرف سائد في مجتمعه ولا علاقة له بالكبر والخيلاء! لم يلتفت المسلمون إلى هذه الفتاوى ولم يرفعوا بها رأسا، لأنّهم يرون في الواقع أنّ إسبال الثياب لم يعد علامة يتميّز بها المتكبّرون، كما كان عليه الأمر في زمان مضى، حينما كان الأمراء وأصحاب الأموال يجرّون ذيولهم من خلفهم وربّما يَضطرّون الخدم والحشم لخدمة تلك الذّيول! أمّا في زماننا هذا، فقد استوى في إسبال الثياب الغنيّ والفقير، وأصبح عرفا سائدا لا يدلّ على شيء.
ومن الأمثلة أيضا تغاضي عموم المسلمين عن الفتاوى التي تمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهي الفتاوى التي يعاد نشرها على أوسع نطاق مع بداية النّصف الثاني من رمضان، من كلّ عام، وعلى الرّغم من أنّ المصرّين على نشرها يحاولون إيهام النّاس أنّ إخراج القيمة يعدّ مخالفة صريحة لأمر النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وفعل الصّحابة الكرام ولقول جمهور العلماء! إلا أنّ مئات الملايين من المسلمين يدركون بفطرتهم أنّ الشّرع الحكيم يأبى هذه الحَرفية، وهم يرون كيف أنّ النقود أصبحت عصب المعاملات، وكيف أنّ حاجة الفقير لم تعد تقتصر على سدّ جوعته، إنّما تتعدّى ذلك إلى شراء الدّواء والكساء والأدوات المدرسية لأبنائه، إضافة إلى حاجات كثيرة لم تكن من الضروريات في زمن مضى، وأصبحت حاجات لا يستغنى عنها في هذا الزّمان.. في زمن النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لم يكن النّاس يجدون أيّ صعوبة في توفير مساكن يأوون إليها، ولا كانوا في الغالب يجدون مشكلا في توفير أدوية لعلاج مرضاهم، ولا كانوا يحتاجون إلى مصاريف لتعليم أبنائهم، وكانت حاجاتهم الضرورية لا تتعدّى الطّعام واللّباس، وحتّى اللّباس كان في وسعهم شراؤه بالطّعام مقايضة، لذلك كان تداول دراهم الفضة الساسانية ودنانير الذهب الرومية يتمّ في نطاق ضيّق، على خلاف الواقع في زماننا هذا الذي أصبحت فيه النقود الوسيلة الوحيدة التي تمكّن من توفير الحاجات الضرورية.
الشّريعة الإسلامية إنّما جاءت لتحقيق المصالح قدر الإمكان ودرء المفاسد قدر الإمكان، وهذه الحقيقة لا تغيب عن أذهان العلماء الربانيين وهم يدرسون النوازل والقضايا المستجدّة في واقع النّاس، وقد يُهدى إليها عموم المسلمين بفطرتهم، وليس من اللائق أن يتغاضى عنها بعض المهتمّين بتحصيل علوم الشّريعة، فيُزروا بالدّين، ليس أمام المسلمين فحسب، إنّما أمام البشرية جمعاء.. ليس من الصّواب التّشكيك في نيات هؤلاء المتشبّثين بظواهر النّصوص، بل إنّ العدل يقتضي الشّهادة لهم بأنّهم يهدفون إلى إشاعة الاهتمام بنصوص الدّين وقطع الطّريق أمام من يحاولون تحييدها اتباعا للأهواء والأذواق، لكنّهم رغم ذلك مدعوون إلى الاهتمام بمكانة نصوص الشّرع بحسن فقهها ودراسة مقاصدها وليس بالوقوف عند ظواهرها.