مساجدنا …إلى أين؟
من اللافت أن نجد التفاوت الكبير في تسيير شؤون مساجدنا، في مختلف الجهات؛ فمن مساجد راقية نظيفة متكاملة الأركان؛ حتى إنها تهيأ للمصلي تلك البيئة الرائعة التي يكون فيها قريبا جدا من ربه عز وجل، ويؤدي فرائضه وهو في تمام العافية والانسجام والرضا، وهذا هو الأصل…
لكن في المقابل هناك مساجد عامرة بالصخب والفوضى، ترى ما لا تريد أن تراه فيها .. وما لايليق أن تكون عليه بيوت الله انعدام النظافة، انعدام الماء، وساخة بيوت الخلاء، الفوضى الكبيرة… اتساخ السجاد، الروائح الكريهة، و.. و .. مما تتقزز منه النفوس.
دون الحديث عن “العياط” وكثرة الكلام والحديث في أروقة المسجد وباحته وصحنه وداخل بيت الصلاة نفسها. حتى لتشعر أنك في سوق أو مركز تجاري … والسؤال: لماذا هذا التفاوت؟ وما هي أسبابه؟ وهل يصعب بالفعل بسط السكينة والهدوء وتحقيق الحد الأعلى من آداب المسجد التي ينبغي أن يكون عليه المصلون والمصليات وهم في جوار الله تعالى وفي أجمل وأحسن الأماكن وهي بيوت الله؟
هل يعود ذلك إلى مسؤولي المسجد ومؤطريه من الإمام إلى بقية العاملين..؟ حيث يكون اهتمام الإمام بمؤسسة المسجد، وهو المسؤول الأول، آخر أولوياته .. وأدنى اهتماماته لانشغاله بأمور أخرى “أهم” في رأيه؟
أم يعود ذلك إلى المستوى الفكري والديني للمسؤولين عن المسجد؛ حيث لا يهتمون كما يجب لأنهم يفتقدون إلى ثقافة العناية ببيت الله وتحقيق ما يجب من الرعاية والنظافة وبسط النظام…؟
أم يعود بصفة أعم إلى عدم وجود رؤية واضحة لدى المسؤولين عن القطاع، ككل، سواء على المستوى المركزي أو المستوى المحلي/ الولائي .. ونحن نعلم أنه من الضروري وجود متابعة شاملة وليس فقط متابعة لما يقال في المسجد وما لايقال وما يجب أن يُقال .. فما يجب أن يكون عليه المسجد من بهاء ونظافة وإتقان وهيئة جميلة، وسكينة وأداء إداري وعملي هو من الاهتمامات الأساسية ومن ملامح قوة المسجد كمؤسسة مجتمعية بالغة الأثر في التربية والتكوين والتوجيه.
فما أحوجنا إلى هذا الاهتمام الشامل بمساجدنا الكثيرة، بحمد الله، ورعايتها بما يجعلها بحق منارات هدى وتقوى وهداية، في الأقل في الجانب المادي.
وبالطبع لابد من الاهتمام بالجوانب الأخرى :التوجيهية والتثقيفية والتربوية والدعوية والإيمانية قبل كل ذلك.
إن الحديث الصريح يقتضي التأكيد هنا على أن أغلبية تلك المساجد “نائمة”، ولا يوجد فيها الحد المتوسط المقبول من النشاط الديني، والعلمي، والتربوي، والثقافي. فباستثناء الدروس الموسمية، لا تكاد تجد ـ إلا فيما ندر ـ في مساجدنا نشاطا يدل على حيوية المؤسسة المسجدية وحيوية العاملين فيها. لا أتحدث هنا عن الندوات العلمية الراقية، والحوارات الفكرية الوازنة، والأيام الدراسية المفيدة النافعة، والملتقيات ـ وما أدراك ما الملتقيات ـ الناضحة بالخير والصلاح والناقلة للعلم والأخلاق والغارسة للقيم والمربية للشعب الموجهة لبوصلة قلبه ونفسه نحو الصلاح والخير والتقوى والتكافل والتضامن..
بل إن المطمح يشرئب إلى دروس حقيقية مهيأة وموجهة تمَس الواقع، وتحاول البحث عن حلول له، وتدفع إلى التربية الذاتية والاستقامة .. حتى تلك الدروس غابت عن مساجدنا، كما قلتُ إلا فيما ندر، من أئمة ودعاة قائمين على مسؤوليتهم أحسن القيام .بل نذهب أبعد من ذلك فنتحدث عن المناسبة الأسبوعية العزيزة العظيمة وهي الجمعة: درسا وخطبة. المتأمل والمتابع يجد الكثير من تلك الخطب والدروس لا تحضير فيها ولا عناية ولا اهتمام، ولا تركيز على المعيش في الواقع الصعب المتقلب ولا صلةَ لها تقريبا بما يجري ويسري في الواقع؛ حيث الغلاء يشوي الجيوب والوجوه، والرشوة تكاد تكون هي “القانون” و”المعرفة ـ معارف” هي الأسلوب الأمثل لقضاء المصالح وغير المصالح، والانفعال والشجار والتواصل السيئ والتنافر والتدابر والفُحش وسوء الأخلاق هي السائد في حياتنا وواقعنا.
تُرى ..أين الخلل؟ أين الإشكال؟ متى يُحل هذا الإشكال؟ ومتى تستعيد المؤسسة المسجدية بعضا من ألقها ودورها ووظائفها؟ ومن المسؤول عن هذا “الغياب” لمؤسسة المسجد؟ علما أنه بحسب بعض الإحصائيات فإن من يؤمّون المساجد تصل أعدادهم إلى الملايين ..أفلا تستحق تلك الملايين عناية ورعاية وإشرافا وتوجيها وسعيا وعملا وجهودا وإصلاحا وتقويما وتنظيما وإعدادا..؟