الرأي

مساجدنا‮ …‬إلى أين؟

الشروق أونلاين
  • 1822
  • 3

من اللافت أن نجد التفاوت الكبير في‮ ‬تسيير شؤون مساجدنا،‮ ‬في‮ ‬مختلف الجهات؛ فمن مساجد راقية نظيفة متكاملة الأركان؛ حتى إنها تهيأ للمصلي‮ ‬تلك البيئة الرائعة التي‮ ‬يكون فيها قريبا جدا من ربه عز وجل،‮ ‬ويؤدي‮ ‬فرائضه وهو في‮ ‬تمام العافية والانسجام والرضا،‮ ‬وهذا هو الأصل‮…‬

لكن في‮ ‬المقابل هناك مساجد عامرة بالصخب والفوضى،‮ ‬ترى ما لا تريد أن تراه فيها‮ .. ‬وما لايليق أن تكون عليه بيوت الله انعدام النظافة،‮ ‬انعدام الماء،‮ ‬وساخة بيوت الخلاء،‮ ‬الفوضى الكبيرة‮… ‬اتساخ السجاد،‮ ‬الروائح الكريهة،‮ ‬و‮.. ‬و‮ .. ‬مما تتقزز منه النفوس‮.‬

دون الحديث عن‮ “‬العياط‮” ‬وكثرة الكلام والحديث في‮ ‬أروقة المسجد وباحته وصحنه وداخل بيت الصلاة نفسها‮. ‬حتى لتشعر أنك في‮ ‬سوق أو مركز تجاري‮ … ‬والسؤال‮: ‬لماذا هذا التفاوت؟ وما هي‮ ‬أسبابه؟ وهل‮ ‬يصعب بالفعل بسط السكينة والهدوء وتحقيق الحد الأعلى من آداب المسجد التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون عليه المصلون والمصليات وهم في‮ ‬جوار الله تعالى وفي‮ ‬أجمل وأحسن الأماكن وهي‮ ‬بيوت الله؟

هل‮ ‬يعود ذلك إلى مسؤولي‮ ‬المسجد ومؤطريه من الإمام إلى بقية العاملين‮..‬؟ حيث‮ ‬يكون اهتمام الإمام بمؤسسة المسجد،‮ ‬وهو المسؤول الأول،‮ ‬آخر أولوياته‮ .. ‬وأدنى اهتماماته لانشغاله بأمور أخرى‮ “‬أهم‮” ‬في‮ ‬رأيه؟

‭ ‬أم‮ ‬يعود ذلك إلى المستوى الفكري‮ ‬والديني‮ ‬للمسؤولين عن المسجد؛ حيث لا‮ ‬يهتمون كما‮ ‬يجب لأنهم‮ ‬يفتقدون إلى ثقافة العناية ببيت الله وتحقيق ما‮ ‬يجب من الرعاية والنظافة وبسط النظام‮…‬؟

أم‮ ‬يعود بصفة أعم إلى عدم وجود رؤية واضحة لدى المسؤولين عن القطاع،‮ ‬ككل،‮ ‬سواء على المستوى المركزي‮ ‬أو المستوى المحلي‮/ ‬الولائي‮ .. ‬ونحن نعلم أنه من الضروري‮ ‬وجود متابعة شاملة وليس فقط متابعة لما‮ ‬يقال في‮ ‬المسجد وما لايقال وما‮ ‬يجب أن‮ ‬يُقال‮ .. ‬فما‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون عليه المسجد من بهاء ونظافة وإتقان وهيئة جميلة،‮ ‬وسكينة وأداء إداري‮ ‬وعملي‮ ‬هو من الاهتمامات الأساسية ومن ملامح قوة المسجد كمؤسسة مجتمعية بالغة الأثر في‮ ‬التربية والتكوين والتوجيه‮.‬

فما أحوجنا إلى هذا الاهتمام الشامل بمساجدنا الكثيرة،‮ ‬بحمد الله،‮ ‬ورعايتها بما‮ ‬يجعلها بحق منارات هدى وتقوى وهداية،‮ ‬في‮ ‬الأقل في‮ ‬الجانب المادي‮.‬

‭ ‬وبالطبع لابد من الاهتمام بالجوانب الأخرى‮ :‬التوجيهية والتثقيفية والتربوية والدعوية والإيمانية قبل كل ذلك‮. ‬

إن الحديث الصريح‮ ‬يقتضي‮ ‬التأكيد هنا على أن أغلبية تلك المساجد‮ “‬نائمة‮”‬،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد فيها الحد المتوسط المقبول من النشاط الديني،‮ ‬والعلمي،‮ ‬والتربوي،‮ ‬والثقافي‮. ‬فباستثناء الدروس الموسمية،‮ ‬لا تكاد تجد ـ إلا فيما ندر ـ في‮ ‬مساجدنا نشاطا‮ ‬يدل على حيوية المؤسسة المسجدية وحيوية العاملين فيها‮. ‬لا أتحدث هنا عن الندوات العلمية الراقية،‮ ‬والحوارات الفكرية الوازنة،‮ ‬والأيام الدراسية المفيدة النافعة،‮ ‬والملتقيات ـ وما أدراك ما الملتقيات ـ الناضحة بالخير والصلاح والناقلة للعلم والأخلاق والغارسة للقيم والمربية للشعب الموجهة لبوصلة قلبه ونفسه نحو الصلاح والخير والتقوى والتكافل والتضامن‮.. ‬

بل إن المطمح‮ ‬يشرئب إلى دروس حقيقية مهيأة وموجهة تمَس الواقع،‮ ‬وتحاول البحث عن حلول له،‮ ‬وتدفع إلى التربية الذاتية والاستقامة‮ .. ‬حتى تلك الدروس‮ ‬غابت عن مساجدنا،‮ ‬كما قلتُ‮ ‬إلا فيما ندر،‮ ‬من أئمة ودعاة قائمين على مسؤوليتهم أحسن القيام‮ ‬‭.‬بل نذهب أبعد من ذلك فنتحدث عن المناسبة الأسبوعية العزيزة العظيمة وهي‮ ‬الجمعة‮: ‬درسا وخطبة‮. ‬المتأمل والمتابع‮ ‬يجد الكثير من تلك الخطب والدروس لا تحضير فيها ولا عناية ولا اهتمام،‮ ‬ولا تركيز على المعيش في‮ ‬الواقع الصعب المتقلب ولا صلةَ‮ ‬لها تقريبا بما‮ ‬يجري‮ ‬ويسري‮ ‬في‮ ‬الواقع؛ حيث الغلاء‮ ‬يشوي‮ ‬الجيوب والوجوه،‮ ‬والرشوة تكاد تكون هي‮ “‬القانون‮” ‬و”المعرفة ـ معارف‮” ‬هي‮ ‬الأسلوب الأمثل لقضاء المصالح وغير المصالح،‮ ‬والانفعال والشجار والتواصل السيئ والتنافر والتدابر والفُحش وسوء الأخلاق هي‮ ‬السائد في‮ ‬حياتنا وواقعنا‮.‬

تُرى‮ ..‬أين الخلل؟ أين الإشكال؟ متى‮ ‬يُحل هذا الإشكال؟ ومتى تستعيد المؤسسة المسجدية بعضا من ألقها ودورها ووظائفها؟ ومن المسؤول عن هذا‮ “‬الغياب‮” ‬لمؤسسة المسجد؟ علما أنه بحسب بعض الإحصائيات فإن من‮ ‬يؤمّون المساجد تصل أعدادهم إلى الملايين‮ ..‬أفلا تستحق تلك الملايين عناية ورعاية وإشرافا وتوجيها وسعيا وعملا وجهودا وإصلاحا وتقويما وتنظيما وإعدادا‮..‬؟‮ ‬

مقالات ذات صلة