مساجد قسنطينة مازالت مقصد المصلين من كل مكان في رمضان
عندما تدخل أزقة قسنطينة القديمة تشعر أنك في مدينة العلماء، فعبر الشارع الطويل المعروف باسم “طريق جديدة” أو شارع العربي بن مهيدي، مرّ الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعبر هذا الشارع الذي أصبح يسمى “العربي بن مهيدي” مرّ المفكر مالك بن نبي والبشير الابراهيمي والعربي التبسي ومبارك الميلي، وجميعهم صلوا في الجامع المسمى جامع الكبير، هذا الصرح التراثي الروحي الذي يعتبر حاليا من أقدم جوامع الجزائر والمغرب العربي، وهو الذي أمّ فيه بن باديس الناس في صلاة التراويح وكان عمره دون الثالثة عشرة.
قصة جامع الكبير لا تعني قسنطينة وإنما الجزائر من شرقها إلى غربها، ففي الجزائر العاصمة الجامع الكبير وفي تلمسان الجامع الكبير وكلها جوامع ساهمت في جعل كلمة الله هي العليا وكلمة الجزائريين أعلى من كلمة المستعمر الذي حاول طمس هذا المعلم الروحي الذي يعود بناؤه إلى عام 1136 وأعمدته تحكي لوحدها تاريخه فهو بناء روماني قديم شيّد عليه المسلمون منذ الدولة الصنهاجية مسجدا بقي يدعو الناس للصلاة وللفلاح، وقد أعيد ترميمه وتدشينه منذ سبع سنوات من طرف الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
من المدهش أن المسجد خدمته عائلات قسنطينية عريقة وثرية أرادت أن تعطيه من جهدها ومن مالها ومن عمرها، وأرادت أن تعيش لأجله من العائلة الباديسية بأجداد العلامة عبد الحميد، إلى عائلة لفقون ووصولا إلى عائلة بن معيزة التي قرر أحد أبنائها أن يحرق ما بقي من العمر خدمة لهذا الجامع الذي مرّ به كبار الأئمة ومنهم الشيخ حمدان لونيسي أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ مرزوق بن الشيخ الحسين مفتي قسنطينة الشهير، الذي ساهم في الصحوة الإسلامية التي عرفتها الجزائر في أواخر السبعينات.
ومن المساجد العريقة إلى الجديدة، يبقى جامع الأمير عبد القادر تحفة من تحف العالم فقد صلى به الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ البوطي، ومئات الآلاف من المصلين، جامع الأمير عبد القادر بقسنطينة الذي مازال لحد الآن الأكبر والأجمل ضمن أجمل جوامع العالم الإسلامي في انتظار جامع العاصمة الأعظم الذي سيدشن بعد أيام قليلة.
حكاية جامع الأمير عبد القادر أشبه بالأسطورة فيها الكثير من الآلام وفيها الكثير من القرارات، ولكنها تحد كبير منح هذه التحفة المعمارية التي قال عنها الأزهريون الذين زاروها بأنها الأجمل على الإطلاق.
المسجد في رمضان يتحوّل إلى مزار لأطفال ونساء وشيوخ المدينة وبقية المدن، وعندما تزور قسنطينة عليك أن تحط رحالك بالجامع كما يفعل كل سفراء الدول العربية والإسلامية الذين زاروا المدينة وصلوا بمسجدها التحفة. يتسع حاليا لعشرة آلاف مصل وفي رمضان يرتفع الإقبال إلى غاية عشرين ألفا في صلاة التراويح حيث تفتح الساحة الجميلة في الهواء الطلق أبوابها لضيوف الرحمان.
وجامع الأمير عبد القادر يذكر من يزوره بالحرم الشريف خاصة بالآلاف من الذين يؤمونه وبزخرفته التي تنوعت بين المصرية والمغربية، وتُحفه من ثريات وزرابي تنوعت بين التركية والتشيكية والفارسية، ولكن اللمسة الجزائرية موجودة في كل مكان.. ولأن المشاريع الكبرى تبدأ دائما بفكرة ولأنها لا تتوقف عند الإنجاز فإن جامع الأمير عبد القادر بعث أيضا فكرة الجامعة الإسلامية التي بلغ عمرها أكثر خمسة وثلاثين سنة.
الجامع لم يبق قبلة للمصلين فقط، بل إنه يجذب حتى الداخلين في دين الله أفواجا من أمريكيين وأوروبيين يختارون الوقوف أمام منبره وإعلان أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما تنادي مئذنته خمس مرات في اليوم بالنداء الخالد.
ب. ع