مستقبل التربية أكبر من كل اللجان
يُفترض ألا يُنَاقش مستقبلُ قطاع التربية في غرفٍ مُغلقة. التربية أولوية وطنية وينبغي أن يشارك فيها الجميع. أسمح لنفسي بأن أقول إن التربية الوطنية بجميع مراحلها أهمّ من الدستور. وعلينا اليوم أن نقوم بفتح نقاش وطني معمّق حول مستقبل هذا القطاع. لا يكفي الخبراء، ولا تكفي الإطارات، ولا يكفي أهل القطاع، أو حتى إشراك النقابات والأولياء والتلاميذ، بل ينبغي القيام بعملية تفكير جماعية متعدّدة التخصصات حول: كيف ينبغي أن نُعِدَّ أجيال المستقبل بعيدا عن كل أيديولوجية أو كل انحياز لتجربة على حساب الأخرى.
لدينا واقعٌ نعيشه ولدينا حقائق وطنية وعالم يتحوّل من حولنا وعلينا أن نأخذ كل هذا بعين الاعتبار، ذلك أن المسألة تتعلق بتشكيل عقول المستقبل وليس بإنجاز مادي يمكننا هَدْمُه بعد حين. إذا ما تم تشكيل عقول أبنائنا بطريقة خاطئة اليوم وغدا، نكون كمَن خرَّب الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها الدولة وعلى مدى أجيال متعاقبة. الخطأ على مستوى العقول مُمتَدّ بطبيعته إلى العقول الأخرى وإلى كل مظاهر الحياة المادية والمعنوية، على خلاف الخلل الذي يصيب المنشآت المادية الذي يبقى محدودا في المكان ويمكن إزالته بلا آثار جانبية كبيرة في الزمان. لذا علينا ألا نكتفي بالحديث عن مخاطر احتكار جهةٍ معينة للتعامل مع مستقبل القطاع، بل أن نُبيِّن أنه علينا هذه المرة أن نأخذ ما يكفي من الوقت لصوغ مشروع مستقبلي للأمة والدولة والمجتمع يكون متكاملا قدر الإمكان ويترك المجال مفتوحا للتعديل والتكييف بقدر التطورات التي تعرفها البلاد والعالم.
وعلى خلاف الدول المهيمنة اليوم، علينا نحن أن نقوم بمهمّتين في آنٍ واحد: معرفة مستقبل التعليم في العالم لنأخذه بعين الاعتبار، ومعرفة المستقبل الذي نريده نحن لبلدنا ضمن هذا العالم. ما الذي ينبغي أن نقوم به حتى لا نجد أنفسنا نُكوِّن لاقتصاد مُعوْلَم ونحن لسنا ضمنه أو لمجتمعٍ كوني ليس لنا إسهامٌ فيه؟ أليست هذه من الأسئلة الصعبة التي ينبغي عدم تبسيط الأجوبة عنها؟ هل تكفي لجانٌ مجتمعة في مكاتب مغلقة للإجابة عنها؟ أم أنه علينا أن نستنهض كافة الهمم لكي نخوض هذه المعركة الحاسمة بالمستوى الملائم لتحدّيات القرن الحادي والعشرين؟
يبدو أنه علينا ألا نستهين بهذه المهمّة الإستراتيجية، وأن نُعيد تشكيل المجلس الأعلى للتربية، وأن نُفَعِّل مراكز البحث المتخصِّصة في الجامعات، ونُشرك الكفاءات الوطنية في الخارج، أي أنْ نقوم بكل الجهد الوطني اللاّزم في هذا المجال.. فالمسألة ليست أبدا مسألة لجان أو قاعات عمل مغلقة.