الرأي

مسرحية الانقلاب!

حسين لقرع
  • 10603
  • 46

يستميت إعلامُ الفتنة والدم في مصر هذه الأيام في الترويج لفكرة أن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حدثت بتركيا يوم 15 جويلية الجاري ليست سوى “مسرحية رديئة سيّئة الإخراج”، تهدف إلى منح ذريعة قوية لأردوغان لتصفية كل خصومه في الجيش والأمن والقضاء، فضلا عن تصفية جماعة غولن، والتفرّد بحكم تركيا بلا منازع.

هذه الحملة التشكيكية نابعة من الخيبة المريرة التي شعر بها إعلامُ الفتنة والتحريض بعد فشل المحاولة الانقلابية على أردوغان وتلويحه بإشارة “رابعة” مراراً في ساحة اسطنبول، في إشارةٍ واضحة إلى استمرار دعمه القويّ للشرعية في مصر ضد الانقلاب السافر الذي لايزال إعلامُ الكراهية يصرّ على تسميته بـ”الثورة”، ويستميت في تجميل وجهه القبيح وتسويغ مذابحه البشعة ضد المتظاهرين المسالمين، والتي كان يمكن تصنيفها جرائمَ ضد الإنسانية وجرّ مدبِّريها ومنفذيها إلى الجنائية الدولية لو كان القانون الدولي يُطبَّق على الجميع وكانت الدول الكبرى تطبِّق مكيالا واحدا في تعاملاتها.

لقد آلمَ “حمالاتِ الحطب” المصريين أن انقلابيي تركيا لم يستبيحوا دماء شعبهم ولم يطلقوا النار على المتظاهرين، باستثناء تجاوزاتٍ قليلة، ما جنّب تركيا حمامَ دم حقيقياً، في حين لاتزال جرائم ميدانيْ “رابعة” و”النهضة” ومناطق أخرى شاهدة على مذابح مهولة ارتكِبت ضد آلاف المتظاهرين المسالمين في ساعاتٍ قليلة ببرودة دم شديدة.

أما على الصعيد الشعبي، فقد وقفت مختلفُ شرائح الشعب التركي، والفنانون والمثقفون والإعلاميون بمختلف مشاربهم وتوجُّهاتهم، وكذا الأحزاب الكبرى في البلاد… بقوّة ضدّ الانقلاب، ولم يترددوا لحظة في الانتصار للديمقراطية، فأصابوا الانقلابيين في مقتل وهم الذين كانوا يراهنون على وقوف جزء من الشعب معهم ضد “طغيان” أردوغان، ولاسيّما النخبة العلمانية المعادية لتوجُّهاته وسياسته، لكن الجميع فاجأهم بالوقوف صفا واحدا لنصرة الديمقراطية والشرعية ورفض عودة حكم الجيش الذي لم يروا منه قبل سنة 2002 إلا القمع والويلات ومصادرة الحريات وكبت الأنفاس، فكان ذلك عاملاً حاسماً في إفشال الانقلاب..

هذا الأمر لم يحدث في مصر التي انحازت فيها الأقلية العلمانية بشكل سافر إلى الانقلاب وناصرته بقوّة عبر أبواقها الإعلامية المأجورة وأغلب أحزاب البلاط ومثقفيه… وشيْطنت الديمقراطية التي لم تأتِ بها إلى الصندوق وفضلت عليها حكمَ العسكر، كما أن الشعب رفض مساندة الإخوان في المظاهرات والاعتصامات الرامية إلى إسقاط الانقلاب، وتركهم وحدهم يواجهون دبابات الجيش معتقدين أن المشكلة تعني الإخوان فقط ولا علاقة لها بنصرة الديمقراطية والشرعية الشعبية، فكانت النتيجة انتصار الانقلاب وعودة حكم العسكر الاستبدادي بثوبٍ مدني زائف، والتضييق على الديمقراطية والحرِّيات، وتفشِّي القمع على صعيد واسع لاتزال مصر تعاني آثارُه إلى الآن.

في تركيا ضرب الشعب مثلاً رائعاً بتصدِّيه للانقلاب بصدور عارية، وضربت النخبة مثلا لا يقلّ روعة بوضع خلافاتها الإيديولوجية جانباً واتحادها لنصرة الديمقراطية والحؤول دون عودة حكم العسكر. هو درسٌ بليغ غنيّ بالعِبر والدلالات لباقي الشعوب العربية والإسلامية التواقة إلى الانعتاق من براثن الاستبداد وتجسيد حقها الشرعي في الديمقراطية والحرية والعيش الكريم. 

مقالات ذات صلة