الرأي

مشعوذون في ثوب رقاة!

الشروق أونلاين
  • 4070
  • 54

ليس من المبالغة القول إن الزمن الذي نعيشه هو زمن التردي الأخلاقي الذي غاب فيه أهل الورع وساد فيه أهل الدجل الذين أصبحوا يهيمنون على المشهد الديني ويصنعون الحدث بما يحدثونه في الدين من أمور مبتدعة وأعمال منكرة ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا مشهد غريب بيقين.

لكن الأغرب في المشهد هم المفتونون بأهل الدجل الذين يغدون ويروحون إليهم يبتغون عندهم السكينة فتراهم يختلفون إليهم فرادى وجماعات في رحلة البحث عن الحل وربما البحث عن المستحيل، وهذا دليل على أن العقل المسلم لم يتخلص بعد من رواسب الجاهلية التي انتهت منذ أمد طويل بفضل جهود العلماء الربانيين والدعاة العاملين، ولكنها عادت بعد أمة وفي عز عصر التنوير وعاد معها الدجالون والمشعوذون الذين ينتحلون صفة الرقاة ويلبسون ثوب التقاة وينصبون على ضحاياهم بالليل والنهار خلف الأبواب الموصدة التي يحدث فيها ما لم تأمر به الملة ولا ترضاه الأمة، ومع ذلك يبقى هؤلاء بمنأى عن العقاب وهو ما يشجعهم على الإصرار والتمادي في الإضرار بكل من تنالهم أيديهم من المفتونين ببركتهم الموهومة، وهو ما يدفعنا إلى دق ناقوس الخطر باستنهاض الهمم ودعوة أهل العلم لوقف هذه الشعوذة المبتذلة باسم الرقية الشرعية، التي جلبت على مجتمعاتنا العربية الإسلامية كثيرا من البلايا وأوقعت كثيرا من الضحايا.

إن بداية التصدي لظاهرة الشعوذة باسم الرقية الشرعية تتأتى من اعترافنا جميعا بأن هناك فراغا دعويا استغله المشعوذون لكي يجاهروا بفعلتهم ويفرضوا منطقهم، فمنطق الأشياء يقوم على أن الطبيعة لا تقبل الفراغ وأن المجال الذي تهجره يلجه آخرون بالضرورة، فهناك فراغٌ دعوي يتمثل في استقالة الدعاة من أداء وظيفتهم الدعوية وواجبهم الوعظي التنويري، وقديما قال طرفة بن العبد فيما نُسب إليه: “خلا لك الجو فبيضي وأصفري”، حقيقة ليس التقصير في أداء الواجب الدعوي والوعظي دأبَ كل الدعاة ولكنه بيقين دأبُ كثرة كاثرة منهم، فضلت الاشتغال بأحكام النوافل على الاشتغال بأحكام الفرائض وغرقت في جدل عقيم حول مسائل مختلف فيها أو مسكوت عنها، فكانت النتيجة أن انتعشت أعمال الشعوذة باسم الرقية الشرعية، هذه الأخيرة التي أصبح يتعاطاها كل من هبّ ودبّ ممن لا يفقه قليلا ولا كثيرا من أحكامها، وكان الحصاد النكد الذي يتجرع المجتمع مرارته أن أصبحت الشعوذة أمرا واقعا وعملا مباحا وملاذا أخيرا لكل من رقّ دينه وضعفت عقيدته واهتز يقينه بالله عز وجل.

“ينبغي أن ننشئ هيئة فقهية مختصة تعمل بمنطق الإنذار المبكر وتمارس وظيفة الرقابة الشرعية على أعمال الرقية، وقبل هذا وذاك الحرص على تقنين عمل الرقية حتى نتمكن من قطع دابر المشعوذين الذين يلبسون لبوس الرقاة وهم أجهل الناس بالرقية وأبعدهم عنها”

يجب أن يجتمع أهل العلم وأهل الحل والعقد على سواء من أجل بحث خطر الشعوذة على المجتمع الجزائري وخطرها بالأحرى على أمننا الديني الذي لا يتحقق إلا بالرجوع إلى مصادر الوحي ومحاربة كل مظاهر الشعوذة التي يستخفُّ أصحابها بعقولنا ويحاولون إرجاعنا إلى الجاهلية الأولى بممارسة الرقية المزيفة التي ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، وأعتقد أن هذه المهمة ليست عصيَّة علينا إذا فقهنا دورنا ووثقنا بإرادتنا وعملنا بفقه الأولويات بتفعيل القاعدة الأصولية التي تجعل درء المفاسد مقدَّما على جلب المصالح، وخاصة أننا متفقون على أن الشعوذة مفسدة كبرى وأن محاربتها تشكل أولوية الأولويات في عملنا الديني والدعوي.    

إن المسارعة لتشكيل جبهة دعوية وطنية لمواجهة الشر المتصاعد المتمثل في أعمال الشعوذة ضرورة ملحة، وخاصة في ظل الأخبار غير السارة التي ينقلها الإعلام من وقوع ضحايا “أرقاهم” المشعوذون بماء ممزوج بالسيروم من غير تقدير للعواقب ولا اكتراث لما يسببه هذا من مضاعفات تضر بالجسد وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الأحيان، فهذا الفعل في اعتقادي جرم شنيع وعمل فظيع يعاقب عليه القانون، إذ العبرة كما يقول القانونيون بتوفر ركن القصد الجنائي والإصرار على الإضرار بالآخر الذي قد بفضي إلى الموت، ولذلك فإن احتجاج بعض القانونيين بوجود فراغ قانوني في تحديد عقوبة تعاطي الرقية الشرعية بطريقة غير قانونية هو احتجاجٌ في غير محله، إذ يمكن حتى في حالة التسليم بوجود فراغ قانوني في هذه القضية من الرجوع إلى مواد القانون الجنائي أو قانون العقوبات، لأن ترك الجاني من غير عقوبة أمر لا يبرره القانون، الذي وُضع لحماية الطرف المتضرر على تفاوت درجات الضرر.

لقد قرأت تصريحا للأمين العام للتنسيقية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية “جلول حجيمي” لـ”الشروق اليومي” ذكر فيه بأن الأصل في الرقية أن تكون مباشرة أي أن يمارسها كل شخص بمفرده، أما الرقية الجماعية فلا يستفيد منها أحد، فالرقية هي قراءة القرآن على المريض مباشرة حتى تظهر الأعراض التي يعاني منها سواء كانت سحرا أو مسا”. وعلق المتحدث على الرقاة الذين يمارسون الرقية الجماعية بأنهم “يرغبون في فتح مستشفى مجانين”، واستشهد المتحدث برقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد رقاه بمفرده وكذلك الصحابة لما استرقوا تمّت الرقية بمفردهم وليس جماعة، مضيفا أنه من الناحية المنهجية في العلاج تشكل خطرا حقيقيا على الصحة فالمريض تنتابه حالة هستيريا وصراخ ويدخل في عالم آخر لذا يجب أن يكون في وضعية مريحة هو والمحيطون به، زيادة على ظهور بعض العلامات والأعراض المرتبطة بحالته كالسحر والجن والتي تستوجب علاجا مباشرا.

ما ذكره جلول حجيمي حول الرقية الشرعية هو من البديهيات التي لا نختلف حولها ويعرفها الضالعون وغير الضالعين من الأحكام الفقهية، ولكن رغم ذلك فإن التنبيه إليها هو من الأهمية بمكان، فمن المهم معرفة الأحكام المتعلقة بالرقية الشرعية ولكن الأهم من ذلك هو الحرص على توطينها في المجتمع الجزائري وتعريف الناس بها وبخاصة العوام وذلك من قبل هيئة فقهية مختصة تعمل بمنطق الإنذار المبكر وتمارس وظيفة الرقابة الشرعية على أعمال الرقية، وقبل هذا وذاك الحرص على تقنين عمل الرقية حتى نتمكن من قطع دابر المشعوذين الذين يلبسون لبوس الرقاة وهم أجهل الناس بالرقية وأبعدهم عنها.

مقالات ذات صلة