-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مصر: ما الذي يجري في الترعة؟

سهيل الخالدي
  • 4403
  • 7
مصر: ما الذي يجري في الترعة؟

كان خديوي مصر في ستينيات القرن التاسع عشر غير شديد الإقتناع بأهمية فتح ترعة مائية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، التي طرحها المهندس الفرنسي فرديناند ديلسبس، ولعله كان متخوّفا من أثارها السياسية والاجتماعية بقدر ماكان متلهفا على عائداتها المالية، فاستشار العديد من الناس ومنهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان في دمشق، وكان مسكونا بهم ربط بلاد العرب والمسلمين بممر مائي وبسكة حديد، فنصح الخديوي وشجعه وأخيرا كان ألمير حاضرا مع عظماء العالم في تلك الفترة في حفل افتتاح تلك القناة الذي كان حفلا أسطوريا.

 

 ورغم ما كانت تدره القناة من عائدات للخزينة المصرية، إلا أنها كانت فتاتا أمام ما تجنيه بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تسيطران على كل القناة ومرافقها فنيا وإداريا وماليا … وحين أرادت مصر أن تبني السد العالي  رفض البنك الدولي الخاضع لأمريكا تمويل المشروع، فجاء الرد المصري صاعقا وخارج التوقع حين أعلن جمال عبد الناصر الذي كان الغرب غاضبا عليه بسبب مواقفه المؤيدة لحركة التحرر القومي العربي، وعلى رأسها الثورة الجزائرية؛ إذ أعلن عن تأميم قناة السويس وأنه سيمول بمداخيلها مشروع السد العالي، كان ذلك عام1956 رغم أن اتفاق تأجير قناة السويس للشركات البريطانية والفرنسية ينتهي عام1968، ووقف العالم مدهوشا ومبهورا أمام هذا الرد الصاعق، فدول العالم الثالث وشعوبه زائد الاتحاد السوفيتي وقفت مع جمال عبد الناصر الذي صار زعيما عالميا، لكن بريطانيا وجدت في الخطوة بداية النهاية لإمبراطوريتها، فصممت على استرجاع القناة ووجدتها فرنسا فرصة لإنهاء الثورة الجزائرية بتصفية مؤيدها وممولها الأول، واتفقت معهما اسرائيل للسيطرة على أوسع مساحة من الأرض، وهكذا كانت حرب السويس في أكتوبر1956 التي حارب فيها الشعب المصري بكل شجاعة وبسالة خاصة وبدت مدينة بورسعيد ستالينغراد العرب، لما أظهرته من بطولة خارقة في دحر الإحتلال والجيوش التي هاجمتها برا وبحرا وجوا، وانتصرت مصر وانتصر العرب وانتصر العالم الثالث ومضت الثورة الجزائرية متصاعدة وأقوى مما كانت عليه، وطلت قناة السويس بترول مصر لعقود طويلة، بل زادت أهميتها كممر مائي وشريان حيوي لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا ونقل السلع من أوروبا إلى آسيا وإفريقيا وبالعكس.

   واليوم نجد أن أحداثا افتعلت في مدينة بورسعيد، بدءا من حادثة ملعب بورسعيد الغريبة تماما عن عالم الرياضة وروحها، حيث افتعلت مشاجرة قوية قتل فيها مائة شخص، وهذه النتيجة تجعلها مشاجرة لاتنتمي إلى مسرحها ولا مناسبتها.. بقدر ما تجعلها تنتمي إلى معركة حقيقية ذات أبعاد سياسية. 

ويبدو لي أن مصر بأعلامها وبسياسييها وبأحزابها المشغولة في الصراع على كرسي الحكم لم تتمكن من تحديد هذه المعركة في وجدان الجمهور البورسعيدي، وكنت قد قلت في مقال سابق عن الذي يحدث في بر مصر خطير وخطير جدا على مصر وبرها، وأن مستشاري الرئيس محمد حسني ليسوا في المستوى، وبالفعل فإنه تخلص من بعضهم ممن أثبتت الأحداث قلة كفاءتهم… ويبدو أن مستشاريه القانونيين أثبتوا عدم الكفاءة، ففي ظل احتقان الوضع العام أصدر القضاء حكما بإعدام21 من المدانيين بالقتل في ذلك الملعب.. نحن هنا لانناقش الحكم من حيث صحته فتلك مهمة خارج اهتمام الأعلام.. ولكن الساسة والمستشارين ألم يكونوا يدركون بأن إعلان أحكام من هذا النوع في ظل احتقان سياسي في بورسعيد نفسها، يعطي فرصة للمتربصين بمصر وليس بالحزب الحاكم فقط، لزيادة الإحتقان والإنفعال..؟ إن الجواب هو أن أغبى شخص يتعامل مع سيكولوجية الجمهور يعرف ذلك، فمابالك بالسياسيين والقانونيين والمستشارين ؟؟؟

إنني على أرضية هذا التحليل أكاد أقول إن المقصود هو فصل إقليم قناة السويس كله بما فيه مدينة الإسكندرية عن مصر.. بل ربما أذهب خطوة أخرى وأقول إن هناك ترتيبات لسيطرة إسرائيل على سيناء والقناة، سواء سيطرة فعليه على الأرض أو سيطرة جيوسياسية، حيث أن الإسكندرية تعتبر مركزا سياسيا هاما للفكر الفرعوني باعتبارها عاصمة كليوبترا وأكثر مدن مصر انفتاحا على اليونان وأوروبا عموما، وهي تعتبر مفتاح مصر فمن يحتل الإسكندرية يحتل مصر، فقد سيطر عليها الإسكندر المقدوني الذي سميت باسمه، واحتلها الإنجليز فاحتلوا مصر برمتها… فكيف إذا كانت الإسكندرية اليوم تسيطر على أهم ممر مائي في العالم…

لذلك لايمكن اعتبار ما يجري في مدن القناة مجرد مطالبات مواطنين بمعيشة أفضل.. إن الإختراق الأجنبي يكاد يكون واضحا.. وهو اختراق إذا لم يفضي إلى الإحتلال الجيوسياسي بدعوى حماية هذا الشريان الحيوي للحضارة المعاصرة، فإن أقل مايفضي إليه هو شعور الحزب الحاكم بأن عليه لضمان استمراره في السلطة تقديم تنازلات مهمة في الجغرافيا والسياسة على حد سواء… وليس في قناة السويس فحسب، وليس في موضوع مياه نهر النيل فحسب..بل في موضوعات أخرى.. فضياع قناة السويس من جديد يعني ضياع دور مصر، وضياع النضال القومي العربي خلال الستين عاما المنصرمة، فلا يعود لنفط الخليج أو غيره من النفوط العربية أية أهمية تذكر..لأنه لن يعود تحت سيطرة العرب لا في منبعه ولا في مصبه، وهم اليوم لايسيطرون على أسعاره ولايأخذون منها سوى الفتات الذي تعطيهم إياه الشركات المنتجة، وما يرتضى بتحويله لهم بنك تشيز مانهاتن الأمريكي المسيطر على أموال البترو دولار… ولا يمكن لسيناريو بهذه الأبعاد أن يتم دون اختراق وصل حتى العظم، ويمكننا أن ندرك ذلك إذا ماتذكرنا أن الإختراق في زمن حسني مبارك وصل حتى أولاد الرئيس ….وحصلت إسرائيل على غاز مصر بأقل من سعر التكلفة…

 وأمام هذه الإحتمالات غير المستحيلة، صار من حقنا كمواطنين جزائريين تهمنا مصر كما يهمنا أي بلد عربي آخر، فهم منا ونحن منهم، أن نسأل هل الساسة من أمثال عمرو موسى وشفيق وصباحي وغيرهم كثير من المتصارعين على الكرسي سيكونون مرتاحين على الكرسي لو ضاعت منهم القناة…؟

 .

 في تاريخ نضال مصر من أجل القناة حكايتان صغيرتان

أولاهما أن مجموعة الملك فاروق الذي أطاح به عبد الناصر اجتمعت خلال العدوان الثلاثي على بورسعيد الذي أشرنا إليه، وأيقنت أن النظام سينهار تحت الضربات الإنجليزية والفرنسية والأمريكية، فشكلت حكومة لتستلم حكم مصر من هذه الدول، والثانية أن ضباطا من رجال عبد الناصر بل من أقربهم إليه، طلبوا إليه أن يتنحى ويستسلم.. لكنه ذهب غلأى الآزهر وخاطب شعبه وأعلن صرخته “حنحارب” وحارب بشعبه وانتصر عسكريا وسياسيا واقتصاديا رغم تفوّق الخصوم بحيث لايمكن المقارنة.

 وهاهو محمد مرسي الذي يكثر من الخطابات ولايسمعه أحد خارج غرفة التسجيل، يبدو أنه لايسمع أحدا غير صوته…..وهنا نقول إن على ساسة مصر من كل المستويات ومن كل الأفكار والإتجاهات أنه قد آن الأوان أن يعلموا بجدية تاريخية مطلقة أن مصر ليست لهم وحدهم، فأهل مصر ليسوا العرب والمسلمين بل كل شعوب العالم الثالث أو ما يسمى اليوم شعوب الجنوب ..فهي منهم كالبلعوم في جسم الإنسان..لا يستغنى عنه… كما آن الأوان للدول الكبرى التي تخطط في ليل كما خططت عام1956 لإحتلال قناة السويس أن الإرهاب الذي تدعون محاربته سيجد مبررا قويا ليتصاعد ويتوّسع.. وقد ينزع عنه عمامة الشيخ ليرتدي قبعة البحارة….

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • بن عودة

    شكرا استاذ ان مصر مستهدفة والاعداء بداخلها ، احموا مصر.

  • أحمد عامر

    د مرسي أول رئيس مدني منتخب
    من عشرات الملايين
    أول رئيس حافظ للقرآن و حاصل علي الدكتوراه في الهندسة من أمريكا
    يطهر الدولة من آثار 30 سنة إفساد ممنهج
    دعواتكم لاستكمال نجاح الثورة بالقضاء علي فلول نظام مبارك المفسد و بناء الدولة المدنية الحديثة
    الثــورة مستمـــرة و لــو كــره الفــلـــول و العـسـكـــر
    تحية من أبناء حسن البنا و عبد الناصر
    الي أبناء الأمير عبد القادر و بومدين

  • محمد عيد

    انك فعلا لكاتب ماهر لخصت حال مصر الآن بمقالة قمة في الروعة والاتقان السياسي والاقتصادي والتاريخي
    فتحية لهذا الكاتب العبقري

  • Masry

    احسنت. بس مفيش حد يسمعك ولو سمع معندوش كفاءة ينفذ.اضعف رئيس في تاريخ مصر الحديث والقديم. يعني هي مش مسألة عدم إحساس بالمسؤلية بس, ده كمان عجز كامل عن اايجاد حلول ومعارضة حدث ولا حرج . يعني مفيش امل في الاتنين حكمه أو معارضة و على رأي مثل عندنا اش ياخد الريح من البلاط

  • بدون اسم

    سيدى الفاضل ان الغرب لم ولن تتوقف مؤامرتهم على مصر وماكنت تراه فى الاعلام من محاولات مستيمتة من قبل الخائين لاثارة الفوضى فى مدن القناة الثلاث حتى لاتستطيع مصر عمل المشروع القومى وهو محور تنمية قناة السويس ولكنهم فشلوا وسيفشلون لان مصر مازال بها شرفاء يخافون على هذا الوطن وسيدافعون عنه حتى اخر نفس فى حياتهم لاتقلق اخى العزيز نحن على اهبة الاستعداد لاى معركة وان فكر الصهاينة فى اى اعتداء ستكون هذه نهايتهم الى الابد

  • وليد

    احسنت واجدت وامتعت فارحت واسترحت
    من اروع المقالات التى قراتها

  • اسحاق

    انصح فريق اتحاد العاصمة الجزائرى بعدم الدهاب لمصر نظرا للاوضاع الامنية الغير مسقرة هناك.