مطالب بشطب الأغنياء من تحويلات بـ600 ألف مليار !
وزير المالية يعرض أرقاما تفصيلية حول الإيرادات والنمو واستهلاك الاعتمادات
متدخلون يطالبون بوصفة تحقيق ناتج إجمالي بـ400 مليار دولار في ظرف سنة
ثمّن نواب المجلس الشعبي الوطني، خلال اليوم الأول من مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، مواصلة الدولة سياسة الدعم الاجتماعي وتخصيص أكبر ميزانية للنهوض الاقتصادي، إلا أنهم بالمقابل تساءلوا عن كيفية تمويل عجز الميزانية الذي يُتوقع أن ينحصر في حدود 4 آلاف مليار دينار مع نهاية السنة، وعن الوصفة الواقعية لرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار في ظرف سنة واحدة، وهو الهدف الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لبلوغه سنة 2027.
كما شدّد النواب على ضرورة تطبيق مبدأ انتقائية الدعم الاجتماعي الذي نص عليه قانون المالية لسنة 2022، وحصره في مستحقيه بعد مرور أربع سنوات دون تجسيده فعليا مؤكدين أن التحويلات الاجتماعية، التي ستلامس 6 آلاف مليار دينار خلال سنة 2026، ينبغي أن تُوجَّه بدقة إلى الفئات الهشة فقط، واستثناء الفئات الميسورة أو الأغنياء من هذه الإعانات.
وزير المالية: “اطمئنوا.. لهذه الأسباب سيتراجع العجز”
وانطلقت، في حدود الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح الأحد، جلسة عرض مشروع قانون المالية لسنة 2026 أمام نواب المجلس الشعبي الوطني، برئاسة إبراهيم بوغالي وحضور وزير المالية عبد الكريم بو الزرد إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة.
وفي مستهل عرضه، أوضح الوزير أن مشروع القانون يأتي في سياق وطني يعرف انتعاشا تدريجيا للاقتصاد الوطني، مدفوعا ـ كما قال ـ بـ”جهود الحكومة في مختلف القطاعات لتشجيع الاستثمار وتنويع مصادر النمو وإعادة بعث المشاريع الكبرى المهيكلة وتطوير الصادرات”.
وكشف الوزير أن توقعات نفقات الميزانية للسنة المقبلة تبلغ 17.636,7 مليار دينار، في حين تقدّر الإيرادات الإجمالية بـ8.009 مليارات دينار، مشيرا إلى أن المؤشرات الحالية تُظهر تحسنا ملحوظا في الأداء المالي.
وأكد بو الزرد أن عجز الميزانية تراجع بصفة ملموسة، حيث يُنتظر أن يصل إلى نحو 4.000 مليار دينار فقط، مقابل 9.000 مليار دينار كانت متوقعة في بداية السنة، مرجعا هذا الانخفاض إلى تحسّن الإيرادات التي بلغت إلى غاية نهاية جوان الماضي 5.600 مليار دينار، أي أعلى بـ1.540 مليار دينار من التقديرات الأولية، إضافةً إلى استهلاك 70 بالمائة فقط من ميزانية التسيير، إضافة إلى مشاريع الاستثمار، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط عن المالية العمومية.
وفيما يخص المؤشرات الاقتصادية الكلية، توقّع الوزير أن تبلغ نسبة النمو الاقتصادي 4,1 بالمائة سنة 2026، لترتفع إلى 4,4 بالمائة سنة 2027، ثم إلى 4,5 بالمائة في السنة الموالية، وهي نسب تستند ـ حسب قوله ـ إلى نتائج ملموسة في القطاعات خارج المحروقات، وتطور مستمر في مناخ الاستثمار الوطني.
وختم الوزير عرضه بالتأكيد على أن مشروع قانون المالية الجديد “يُترجم إرادة الدولة في تعزيز الاستقرار المالي، وتحقيق نمو متوازن، واستكمال التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام”، داعيًا النواب إلى مناقشة بنوده في ضوء الأهداف الكبرى للسياسة الاقتصادية الوطنية.
258 تدخل وجلسات صباحية ومسائية وليلية
وعند بداية مداخلات النواب والتي دامت 6 دقائق لكل نائب مع تسجيل 258 متدخل على مدى ثلاثة أيام، في جلسات صباحية ومسائية وليلية، دعا النائب زرقاني سليمان عن حركة مجتمع السلم الحكومة إلى المصارحة والشفافية في عرض تفاصيل تمويل العجز المالي، متسائلا عن الإجراءات التي ستتخذ لتغطيته، خاصة في ظل وجود 16 مليار دولار نفقات غير متوقعة وصفها بغير المبررة، كما شدّد على ضرورة توضيح كيفيات التمويل الاستثنائي في حال وقوع أزمات غير متوقعة، مع تطبيق فعلي لميزانية البرامج والأهداف بدل الصيغ التقليدية.
أما النائب بوشريط محمد أنور، عن كتلة الأحرار، فطالب بـالقضاء على البيروقراطية والانتقال نحو اقتصاد مفتوح يقوم على تنويع المداخيل عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وسندات التطوير، ورأسمال المخاطرة، وتدوير النفايات وفتح أسواق حرة للمواد الأولية. ودعا إلى الابتعاد عن القرارات الإدارية المعرقلة لإنشاء بيئة اقتصادية أكثر مرونة وجاذبية للاستثمار.
تساؤلات حول العقار الاقتصادي وموعد وقف الدعم عن الأثرياء
من جانبه، ثمّن النائب بدرون زكرياء، عن حزب جبهة التحرير الوطني، السياسة المالية الحالية للدولة وتسجيل مشاريع تنموية ضخمة عبر كامل ولايات الوطن، غير أنه انتقد بشدة ما وصفه بـ “التجميد الممنهج للعقار الاقتصادي”، مشيرا إلى أن آلاف المستثمرين ينتظرون منذ سنوات الحصول على عقار لإنجاز مشاريعهم، في ظل بطء شديد في وتيرة عمل الوكالة العقارية ومرافقة محتشمة من الدولة لعمليات استيراد المصانع والمعدات الإنتاجية من الخارج.
بدوره، اعتبر النائب حناشي رياض عن جبهة التحرير الوطني أن الجزائر تمر بمرحلة دقيقة من التحول الاقتصادي نحو اقتصاد المعرفة، داعيًا إلى آليات بديلة للتمويل وتوسيع الوعاء الضريبي مع الحفاظ على التوازنات الكبرى. وطالب بدعم أكبر للقطاعات الاستراتيجية كالصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة، مؤكدًا على أهمية التحكم في فوائد الصناديق السيادية وضرورة إنشاء مجلس وطني للتوقع المالي، مع تحفيز الرقمنة ورفع مداخيل الدولة عبر الحوكمة الرشيدة.
أما النائب حمزة الزغيمي، فركّز على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، منتقدا استمرار هيمنة الجباية البترولية على الإيرادات رغم دعوات التنويع الاقتصادي، وأكد على الحاجة إلى إصلاح حقيقي للوظيفة العمومية وتطبيق المادة 187 من قانون المالية 2022 الخاصة بانتقائية الدعم أي تخصيصه فقط لمستحقيه ووقفه عن الأغنياء، قائلا: “مرّت أربع سنوات ولم تُنفّذ هذه المادة بعد”. كما دعا إلى إطلاق سوق مالية سيادية لمواجهة العجز، مع المطالبة بتقارير شفافة حولها وتفادي أي تمويل لعجز الخزينة قد يضر الأجيال القادمة.
12 شهرًا فقط لبلوغ ناتج محلي بـ400 مليار دولار
من جهته، شدّد النائب زحوف عز الدين، عن حركة مجتمع السلم، على ضرورة إصلاح منظومة الإحصاء الوطنية واحترام آجال وميزانيات إنجاز المشاريع العمومية، منتقدًا غياب ضبط دقيق لمواقيت الانطلاق والانتهاء، كما دعا إلى إنشاء أحياء وسكنات مرفقة بمرافق صحية ومساحات خضراء للتقليل من مشكل الاكتظاظ والازدحام في العاصمة.
وفي ختام المداخلات الصباحية، وصف النائب بخوش صديق عن جبهة التحرير الوطني مشروع قانون المالية 2026 بأنه أهم قانون سنوي لأنه يعكس تعبئة الموارد الوطنية، مثمنًا تمسك الدولة بمرافقة المواطن رغم العجز المالي، لكنه تساءل بواقعية حول الهدف الطموح الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية، قائلا: “إذا كان الهدف هو بلوغ 400 مليار دولار ناتج محلي إجمالي في الآفاق القريبة، فكيف يمكن تحقيق ذلك بداية من 2027، ونحن اليوم على بعد سنة واحدة فقط وبفارق يقارب 79 مليار دولار؟”.