-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مطبوعات جامعية سيئة.. أين وزارة التعليم العالي؟

مطبوعات جامعية سيئة.. أين وزارة التعليم العالي؟

تعجّ المنصات الرقمية للجامعات الجزائرية اليوم بمئات المطبوعات الجامعية التي تقدم دروسا ومحاضرات وأعمالا تطبيقية وتدريبية في مختلف التخصصات، من العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى العلوم الدقيقة والتطبيقية، وهذا بلغات مختلفة.

غير أن المتصفح لهذه المؤلفات سرعان ما يكتشف حقيقة مؤلمة: معظم هذه المطبوعات مليء بالأخطاء العلمية واللغوية والمنهجية تسيء إلى صورة الجامعة الجزائرية ومكانتها التكوينية والبحثية أمام ملايين القراء والمتصفّحين عبر العالم.

تكرار واستنساخ بلا قيمة مضافة

من المظاهر اللافتة في مطبوعاتنا الجامعية، اليوم ومنذ سنوات عديدة، أنّها باتت تتشابه إلى حدّ التطابق، حتى صرنا نجد عشرات المطبوعات تحمل العنوان نفسه -لأنه ببساطة عنوان المقرر الدراسي الذي مرّ به المؤلف- منتشرة في منصات مؤسساتنا الجامعية عبر الوطن بمؤلفين مختلفين.

وإذا أمعن القارئ النظر في المحتوى، اكتشف أن التشابه لا يقف عند حدود العنوان، بل يتجاوز إلى النقل شبه الحرفي من مصادر متفرقة: كتب مدرسية، ومطبوعات منشورة، ومواقع إلكترونية مفتوحة.

وإذا بحثنا عن السبب أدركنا أن اللوم لا يقع على الأستاذ المؤلِّف وحده. فكيف نطالب هذا “المبتدئ” في التدريس أن يأتي بجديد في مجال التأليف وفي الجانب البيداغوجي؟ من جهة أخرى، لنأخذ مثلًا حقل الرياضيات وموضوعا مثل “التحويلات الهندسية” أو “التحويلات التكاملية” أو “المعادلات التفاضلية” أو “الجبر الخطي”… إن هذه الموضوعات (وغيرها كثيرة) موضوعات كلاسيكية راسخة في المناهج العالمية عبر العالم، لها تعريفاتها ونظرياتها الدقيقة التي لم تتغير منذ عقود وعقود، ويجدها الأستاذـ مؤلف المطبوعة جاهزة ومبوّبة في مئات المراجع وبكل لغات العالم.

فما عساه يضيف عليها مهما بلغت عبقريته… اللهم إلا بعض اللمسات البيداغوجية التي يكتسبها المدرّس من خبرته الطويلة في التعليم. لكننا نتكلم هنا عن “المبتدئين” الذين يفتقرون إلى زاد التجربة. والمفارقة أنّ الأخطاء العلمية واللغوية تُستنسخ هي الأخرى! فتنتقل من مطبوعة إلى أخرى كـالعدوى، وهو ما يدلّ على غياب المراجعة والتحكيم.

والنتيجة التي وصلنا إليها اليوم: مطبوعات متشابهة من خلال “النسخ واللصق”، لا تحمل بصمة شخصية للمؤلف، ولا تعكس روح الاجتهاد التربوي أو البحث العلمي. وما يزيد الطين بلّة أن الوزارة تشجع على إصدار المطبوعات باللغة الإنجليزية… وهو ما يسهل للمدرّس عملية النقل المباشر من المصادر الأنجليزية التي تعجّ بها المواقع الالكترونية.

إننا أمام “ثقافة استنساخ” لا “ثقافة إنتاج”، تُفرغ المطبوعة الجامعية من قيمتها وتحوّلها إلى مجرد وثيقة لا جدوى علمية فيها. ويعود السبب الأول لتفشي هذه الظاهرة إلى نظام الترقية الجامعية الذي يلزم المدرّس الجامعي بإنتاج “مطبوعة بيداغوجية” كشرط للترقية في الرتبة. ومن ثمّ تتحول المطبوعة إلى وثيقة إدارية تلبّي متطلبات السلم الوظيفي يقدّمها المدرّس باستعجال، فتكون ضعيفة التحرير، بعيدة عن شروط الكتابة الجامعية الجادة. ولذا فالسؤال الذي يطرح: ما الفائدة من إلزام المدرّس الجامعي بإنتاج مطبوعة من هذا القبيل؟ !!

سمعة التكوين الجامعي على المحكّ

نحن نعيش زمن الانفتاح الرقمي وثقافة الوصول المفتوح إلى المصادر العلمية والأكاديمية، ولم تعد المطبوعات الجامعية أوراقًا مُمسّكة في رفوف مكتبة القسم أو الكلية لا يراها أحد سوى الطلبة المسجلين في المقرر وبعض الزملاء.

لقد انتقلت هذه المواد إلى فضاء الإنترنت فأصبحت متاحة لحظيا لكل من له منفذ إلى شبكة الإنترنت، من طالب جزائري في جامعة تمنراست إلى باحث في جامعة طوكيو، ومن طالب دكتوراه في جامعة أوسلو إلى أستاذ في جامعة سنتياغو. هذه النقلة النوعية في المؤلفات الأكاديمية -التي من المفترض أن تفتح الباب أمام إشعاع الجامعة الجزائرية عالميًا- تحولت إلى كاشفة ثغرات وعيوب علمية في جامعتنا يندى لها الجبين.

فالذي يطّلع على هذه المطبوعات من الخارج لا يرى في جلّها سوى وثائق تعليمية متواضعة تعكس “واجهة معرفية” هشّة وهزيلة للجامعة الجزائرية. وإننا لنرى المختص الأجنبي مصطدما بالأخطاء المنهجية والعلمية، وبالركاكة اللغوية، والاستنساخ المكشوف. وعندئذ سيحكم سلبيا على الأستاذ وعلى منظومتنا الأكاديمية برمّتها.

وفضلا عن ذلك، فهذه المطبوعات صارت عند كثير من الطلبة داخل جامعاتنا “وثائق مرجعية”! والأدهى أنّ بعض هذه المطبوعات نستشهد بها أحيانًا في المذكرات والأبحاث، وهذا يؤدي إلى انتشار أخطائها بين الطلبة، وتُكرّس صورة سلبية مضاعفة: صورة نظام أكاديمي يعيد إنتاج الضعف بدل إنتاج المعرفة الجادة.

الضحية الأولى: الطالب

وكما أسلفنا فإن الخسارة الكبرى ليست التقهقر في مجال التصنيفات الدولية بل تكمن هذه الخسارة في قلب العملية التعليمية، ألا وهو الطالب. إنه أول من يتعامل مع هذه المطبوعات، وأول من يعاني من أخطائها ومساوئها، وما أكثرها:

التشويش المعرفي: عندما يطلع الطالب على تعاريف غير دقيقة أو أمثلة خاطئة أو يقرأ لغة مشوشة، فإنه يبني معارفه على أسس مهلهلة. وهذا الخلل يظهر لاحقًا في امتحاناته، وفي حياته المهنية.
فقدان الثقة: حين يدرك الطالب أن مطبوعة جامعته ليست سوى نسخة مكررة من غيرها، أو أنها مليئة بالأخطاء، فإنه يفقد الثقة في الأستاذ وفي المؤسسة.

تميز الجامعات: الطالب الذي يطّلع عبر الإنترنت على مراجع أجنبية متقنة، ثم يقارنها بمطبوعته الجامعية، يشعر بالخيبة. هذا الوضع يزرع فيه الإحباط، وربما يولّد نزعة للبحث عن الهجرة.

ثقافة النقل لا النقد: حين يرى الطالب أنّ المطبوعات نفسها منسوخة بلا جهد إبداعي، فإنه يتأثّر بهذا “التقليد” المنتشر: النقل دون تمحيص. فبدل أن يتعلّم مهارات البحث والتحليل والنقد، ينغمس هو أيضًا في الاستنساخ.

وهكذا فإن المطبوعات البيداغوجية الضعيفة والمستنسخة تلحق أضرار جسيمة: الإساءة خارجيا إلى صورة الجامعة الجزائرية عالميًا؛ وداخليا، ضرب مستوى التحصيل العلمي الجزائري وترسيخ الرداءة لديه.

خلاصة القول: إن المطبوعات الجامعية، صار معظمها أقرب إلى عبء ثقيل يسيء للجامعة الجزائرية إساءة متعددة الأشكال أكثر مما يقدم خدمة للطالب. إنها ليست قضية شكلية يمكن التغاضي عنها. والمسؤولية هنا واضحة وتقع برمتها على عاتق وزارة التعليم العالي: فهي مطالَبة بالتدخل العاجل لوضع حدّ لهذه الظاهرة والتجاوزات المسيئة للبلاد ومؤسساتها الجامعية وأساتذتها، وذلك بتعويض هذا المطلب (إنتاج مطبوعة للترقية) بشروط أخرى أكثر جدية. وبطبيعة الحال، فهذا الأمر يستدعي إعادة النظر جذريًا في فلسفة الترقية الأكاديمية التي جعلت من المطبوعة وثيقة إدارية بدل أن تكون عملًا علميًا أصيلًا.

وخارج إطار الترقيات، لابد من وضع آليات صارمة للتحكيم العلمي واللغوي قبل اعتماد أي مطبوعة ووضعها في منصات الجامعات. فهل نظل نتفرج وهذه الفجوة تزداد اتساعًا، أم نسارع اليوم لنعيد للمطبوعات الجامعية مكانتها، ولأساتذتنا هيبتهم، ولطلبتنا ثقتهم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!