..مطلوب استرجاع آخر ملّيم من أموال الشعب !
في خطابه الأخير أمام إطارات الجيش ومستخدَميه، بمقر وزارة الدفاع الوطني، أعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون استرجاع 30 مليار دولار من الأموال والعقارات المنهوبة، مؤكدا أن “الدولة لن تتوقف عن محاربة الفساد واستعادة كل منهوبات زمن العصابة”.
كما يكشف مشروع قانون المالية 2026 عن بلوغ حجم نواتج الأموال وبيع الأملاك المصادَرة، والمودَعة بالصندوق الخاص، في إطار قضايا مكافحة الفساد، 11655 مليار سنتيم.
ويؤشر هذان الرقمان الأوليّان حتى الآن عن مستوى الفساد الذي أتى على الأخضر واليابس في زمن ترهّل الدولة وتغوّل القوى غير الدستورية، حين كان اللصوص ينهبون من الخزينة العمومية تحت غطاء الاستثمار، حتى بلغت القروض البنكية خلال مدة محدودة 5000 مليار دينار (ما يوازي 42 مليار دولار بسعر الصرف آنذاك)، من دون أي أثر اقتصادي معتبر أو قيمة مضافة فعلية في الإنتاج الوطني.
والأسوأ من ذلك، أن تلك الأموال العمومية الطائلة ذهبت في مهب الريح، إذ لم يسدَّد منها إلا 10 بالمائة، وفق تصريح سابق للرئيس تبون، وكان كل شيء يحوّل إلى الخارج.
لعل المكسب المحقّق بهذا الصدد، هو تمكّن الدولة عن طريق العدالة من استرجاع ما يفوق الـ30 مليار دولار من أموالٍ وممتلكات وعقارات ووحدات صناعية دخلت حيز الإنتاج مجددا تحت غطاء القطاع العمومي.
وإذا كان رئيس الجمهوريّة قد طمأن الجزائريين، في أكثر من مناسبة، بمواصلة العمل بلا هوادة، لاسترداد كل ما هرِّب إلى خارج الوطن، خاصة في ظل جاهزية دول أوروبية للتعاون القضائي، فإنه ينبغي التنبيه إلى أن توسيع دائرة الحساب والعقاب في الداخل، بصفة عمودية، عبر كل الإدارات الجهوية والمحلية، سيكشف عن عمق آخر من استشراء الفساد.
لا يخفى عن أحد من الجزائريين أن بلوى النهب والتبديد والتلاعب بثروات الأمة قد عمّت قبل حَراك 22 فبراير المبارك، حتى شاعت اللصوصية في كل المستويات والقطاعات من أعلى مراتب المسؤولية برئاسة الجمهورية إلى أدناها وسط الجماعات المحلية، وهو ما أثبتته فضائح المحاكمات المتعاقبة منذ 2019، إذ جرّت التحقيقات وزراء وولاة ومستشارين إلى أروقة المحاكم وزنزانات السجون، لتكشف عن استهتار غير مسبوق ولا متخيَّل بأموال الشعب في زمن تفسُّخ السلطة وفقدان الشرعية، إذ رآها هؤلاء المجرمون بحقّ الوطن فرصةً آمنة للعبث بمقدرات البلاد وتحقيق أطماعهم المادية الدنيئة، من دون أي رادع قانوني ولا وازع أخلاقي ولا خوف من رقابة المجتمع.
لذلك، سيكتب التاريخ أنّ السلطات العليا القائمة حاليًّا، بكل اختصاصاتها، قد خاضت حربًا شجاعة في مطاردة الفاسدين، جاعلة منها أولوية قصوى ضمن التزاماتها السياسيّة والقانونية، وها هي تؤتي اليوم أكلها بقطع دابر الآفة الفتّاكة تدريجيّا.
لكن الحرب على الفساد لا يمكن أن تنتهي بحصد الرؤوس الكبيرة فقط من أوزان الصف الأول على أهميتها، بل يجب أن يظل سيف القانون مشهَرا حتى يقطع كل الأذناب الطويلة والمتوسطة والصغيرة التي جعلت من مشاريع التجهيز والصفقات العمومية سبيلا غير مشروع للثراء الفاحش، بالمنح غير المستحق والتحايل وتضخيم الفواتير ومخالفة التشريع مقابل مزايا خاصة.
ما أكثر المتواطئين في الفساد خلال سنوات البحبوحة المهدورة، من ولاة ومديرين تنفيذيين ورؤساء بلديات وآمرين بالصرف في كل المستويات ومحاسبين ومراقبين ماليين ومقاولين وممونّين وآخرين من أعوان الدولة… ولا شك أن مصالح الرقابة الأمنية والإدارية تملك الملفات أو على الأقل المؤشرات الأولية بخصوصها.
بل إن الموظفين البسطاء والفاعلين من المجتمع المدني والمنتخبين السابقين، إذا توفرت فيهم النزاهة للوطن، يمكنهم أن يكونوا همزة وصل في الحرب على بقايا الفساد، من خلال التبليغ عن كل الوقائع والملفات المشبوهة إلى الجهات القضائية للتكفُّل بالتحقيق والفصل فيها.
في كل ولاية وبلدية وحيّ، هناك من يشار إليهم بالبنان من أثرياء عشريتيْ النهب العامّ، ويعرف الناس كيف تحولوا بين عشية وضحاها من حفاة عراة إلى متطاولين في البنيان والمرْكبات الفارهة، وإذا لم تصل المعركة الساخنة ضد الفساد إلى معاقلهم، لينالوا جزاءهم المستحق، وتسترجع الدولة حقوقها المالية كاملة، فإنها ستبقى حربا مفتوحة إلى إشعار آخر.
إن جرائم الفساد ينبغي أن لا تسقط بالتقادم ولا يمكن أيضا تطهير البلاد من آثاره بإسقاط بعض الرؤوس الكبيرة وحدها، بل وجب محاسبة جميع الفاسدين في الإدارات المركزيّة وعبر الجزائر العميقة، لأن المال العامّ واحد والدفاع عنه لا يتجزأ، ولعل ذلك ما نفهمه من رسائل الرئيس تبون المتكرّرة في خطاباته، حين صرّح أكثر من مرّة بأن “الخطوات إيجابية، لكنّ المشوار لا يزال طويلا”.
لقد كان الفساد آفة واسعة الانتشار في كل القطاعات والمستويات والجهات، لذلك فإنّ تحقيق العدالة وتأمين المال العامّ يقتضيان اليوم تعميم المحاسبة والعقاب على الجميع، مهما أخذ ذلك من وقت، لاستعادة آخر ملّيم من أموال الشعب الجزائري.