-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معادلة “الشعب ـ السلطة”.. إلى أين؟

معادلة “الشعب ـ السلطة”.. إلى أين؟

هل تم القضاء بالفعل على دور الفئات الشعبية الواسعة في المجتمع، وفي العمل السياسي وفي القدرة على التأثير في مستقبل البلاد؟ أم أن هذا الدور باق وهو المتغير الذي سيكون له الأمر الحاسم في مجمل السيناريوهات المقبلة للجزائر وعلى رأسها طبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية التي ستحكم مسار البلاد في العقود القادمة؟ قراءة أولية في معادلة “الشعب ـ السلطة” قد تمكننا من معرفة إلى أين نحن متجهون؟

هناك فرضيتان بهذا الشأن، إحداهما تقول إن دور “الشعب” انتهى من الحياة السياسية والاقتصادية، ومن التأثير في أي قرارات يمكنها أن تَصدر من السلطة الحاكمة أو الأقلية المسيطرة اقتصاديا، والأخرى تقول إن الكلمة الفصل ستكون في آخر المطاف لهذا الذي يُعتَقد أنه زُحزِح نهائيا من المعادلة السياسة والاجتماعية والاقتصادية، لأنه هو في حقيقة الأمر المُتحكِّم في زمام الأمور، وهو الذي يُخضِع باستمرار السلطة السياسية والنُّخب المختلفة لمتطلباته، بل هو الذي يستغلها، وبإمكانه أن ينقلِب عليها بعد مُدة قد تطول أو تقصر من الأمان الذي يمنحه لها، أما العكس فغير مُمكن الحدوث.

هل بالإمكان مناقشة هاتين الفرضيتين المتناقضتين في ضوء مؤشرات الواقع الذي نعيشه اليوم وفي ضوء الكثير من الإشارات الحاملة للمستقبل التي تبدو من خلاله؟

هل تستطيع مثلا جميع الوسائل العمومية، حتى وإن استنجدت بالقطاع الخاص، تحويل اتجاه الرأي العام بالكيفية التي تريد من موقفٍ إلى موقف؟ هل تستطيع دفعه إلى الانتخابات مثلا إذا ما قرر مقاطعتها؟ هل تستطيع إقناعه برشادة حكم هذا المسؤول أو ذاك وقد حكم عليه بالفساد؟

المتابع لمكوّنات الحياة السياسية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا يخرج بملاحظتين أساسيتين على الأقل في هذا المجال:

ـ الأولى: أن الفئات الشعبية تبدو وكأنها مستسلمة للأمر الواقع ومتقبِّلة لِمَا يُتَّخَذ من قرارات تَخُصُّها وكأنها في حالة سُبات عميق، غير مبالية بأي مبادرة تزعم نقل الوعي لها أو تحريكها باتجاه نفض الغبار عنها.

ـ الثانية: أن لهذه الفئات الشعبية أسلوبا ومنهجية في العمل أكثر قدرة من تلك التي تملكها السلطة السياسية أو سلطة المال؛ إذ أنها تفعل ما تريد وتقبل أو ترفض ما تريد وتحتفظ في آخر المطاف بكل الأوراق التي تُمكِّنها من قلب موازين القوى لصالحها في اللحظة التي تريد.

فأي الملاحظتين أقرب إلى الواقع والأكثر قدرة على التأثير في المستقبل؟

القراءة الأولية لهذا الواقع تميل بسرعة إلى اعتبار أن الشعب قد رفع الراية البيضاء، بل من الخطأ الحديث عن وجود “شعب” بالمعنى الذي كان عليه مثلا قبل استعادة الاستقلال أو قبل العشرية السوداء. كل ما  بقي من هذا “الشعب” هم أفراد منفصلون عن بعضهم البعض، يسعى كل منهم لتحقيق أقصى ما يمكن من مصالح، إن لم نقل كل فرد يسعى للوصول إلى أهداف شخصية أصبحت معروفة (السكن، العمل، السيارة…)، ومن  غير المنطقي ولا اللائق الحديث عن إمكانية وجود “وعي” جماعي لدى هذا “الشعب” بإمكانه أن يُشكِّل لديه قدرة على التفكير الجماعي أو اتخاذ قرارات يمكنها أن تؤثر في غيره، فما بالك في مستقبل البلاد.

أما التحليل الأقل تسرُّعا فإنه يرى بأن لهذا “الشعب” سياسَته ونظرته وتكتيكه وإستراتيجيته للتعامل مع الواقع الذي يعيش، وهو خطيرٌ إلى أٌقصى درجة، وأنه في آخر المطاف هو الذي سينتصر باعتبار أنه يعرف كل نقاط ضعف خصومه في مقابل أنهم لا يعرفونه حق المعرفة، ويملك من الإمكانات ما يستطيع أن يُغيِّر مجرى الأحداث وتغيير مسارها في حين لا يملكون أدنى قدرة على  الخروج من المسار الذي هم فيه، وليست لديهم بدائل للتصرُّف أكثر من تلك التي يملكونها الآن.

وتنطلق هذه القراءة للواقع من ثلاث إشارات حاملة للمستقبل:

ـ الأولى: أن لهذا الشعب اقتصاده الموازي الذي لا تستطيع آليات الدولة ولا حتى الآليات العالمية التحكم فيه، بل إن احتياطي الصرف لهذا الاقتصاد يمكن أن يفوق الاحتياطي الرسمي للدولة وهو غير قابل للتآكل مهما كانت الظروف، بل حتى في حالات الحرب، ومن ناحية أخرى لهذا الاقتصاد القدرة على التكيف مع كافة السياسات التي تعتمدها الدولة والخروج منها منتصرا سواء كانت سياسات دعم، أو سياسات تقشف، أو سياسات رقابة، أو غيرها، بدليل أن كل محاولات استقطابه من خلال “العفو” الضريبي المُقنَّع التي تمت في السنة الماضية باءت بالفشل، ولم تتمكن وزارة المالية من جلب سوى سندات شركاتها أو أنصارها الخواص، أما بقية رساميل الاقتصاد الموازي فلم يتم الحصول على أي سنتيم منها.

ـ الثانية: لهذا الشعب إعلامه الموازي الذي لا تستطيع أيضا كل الترسانة الإعلامية التي تُسخِّرها الحكومة التأثير فيه، إذا ما أراد أن يتخذ موقفا من المواقف، أو كان لديه اتفاقٌ جماعي غير مرئي بخصوص مسألة من المسائل. هل تستطيع مثلا جميع الوسائل العمومية، حتى وإن استنجدت بالقطاع الخاص، تحويل اتجاه الرأي العام بالكيفية التي تريد من موقفٍ إلى موقف؟ هل تستطيع دفعه إلى الانتخابات مثلا إذا ما قرر ضمنيا مقاطعتها؟ هل تستطيع إقناعه برشادة حكم هذا المسؤول أو ذاك وقد حكم عليه بالفساد حكما غير قابل للاستئناف؟ هل تستطيع صناعة رأيه العام كما تريد مثلما تفعل وسائل الإعلام الغربية في رأيها العام؟ بكل تأكيد لا تستطيع، لأنها لا تمتلك من الكفاءة ما يلزم، وفي المقام الثاني هي أمام قناعات جماعية غير مرئية لا تستطيع تفسير أسبابها ومكوِّناتها، لذلك كثيرا ما تجدها تلجأ إلى أساليب غير احترافية لمحاولة استمالة جانب من هذا الشعب (تزوير انتخابات، الافتراء على شخصيات… الخ)، وهي تعلم أنه في غالبيته مُدرِك للُعبتها.

ـ الثالثة: أن لهذا الشعب ثوابت لا يمكن التخلي عنها وإن بدا في فترة من الفترات متساهلا بشأنها، كالانتماء الديني، ورفض الظلم، والوقوف إلى جانب المظلوم، والتضامن غير المعلن معه، حتى يبدو لك وكأن “بن غبريط” تحرث في البحر وهي تحاول عصْرنة التربية، أو وزارة التضامن تستنزف ذاتها وهي تسعى لأن تكون بديلا للتضامن الشعبي غير الرسمي، أو وزارة الشؤون الدينية تزعم أنها الأقدر على مكافحة التطرُّف الديني وهي تُعيد صوغ برامجها بما يناسب تحقيق هذه الغاية، وقس على ذلك البقية الباقية من الوزارات والهيئات…

ـ الرابعة: أن لهذ الشعب مسلَّماته الخارجية التي لا يمكن التراجع عليها أو محاولة تبديلها، ولعل أهمها أن لا ثقة في الأجنبي مهما كان: شقيقا عربيا أو غير شقيق، مسلما أو غير مسلم، ناهيك عن الغربي مهما كان: أوربيا أو أمريكيا من أقصى الشرق أو اقصى الجنوب، كل سواء، ذاك أنه في آخر لحظة عندما يُخيَّر بين سلطة يعاديها داخليا، وأجنبي يريد أن “يساعده” يتحوَّل إلى العكس تماما، ينقلب على الأجنبي الذي يخرج خاسرا لا محالة.

هذه الإشارات الأربع لعلها كافية، لتُبرز لنا أن الذي يتحكم في توازننا السياسي والاقتصادي والثقافي ومن ثَم توازننا الاستراتيجي الحقيقي والذي سيتحكم فيه في المستقبل، على خلاف ما يبدو، ليست السياسات الحكومية أو الإحصائيات الرسمية، أو السياسة العامة المختلة التي تبدو على السطح، ولا حتى المعادلة الدولية، إنما تلك السياسات غير المرئية، الفعّالة في جوهرها، التي تحكم ديناميكية المجتمع، وهي التي يفترض أن تُدركها الحكومة لتتكيَّف معها وليس العكس حتى تزعم أنها تفهم حقيقة هذا “الشعب” وحقيقة ما يجري، وأنها قادرة على تمثيله فعليا لا صوريا… وفي حالة ما إذا وصلت إلى هذا الإدراك فإنها ستضطر إلى التغير، وحينها ستُصبح بالفعل حكومة الشعب الحقيقية، وتلك وحدها القادرة على صناعة ديناميكية خروجنا من التخلف والانطلاق بقوة نحو المستقبل… ولعل هذا هو خيارنا الاستراتيجي الذي  ينبغي أن نعمل جميعا من أجل تحقيقه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    شكرا أستاذ سليم على هذا التشريح، بالفعل أن "تلك السياسات غير المرئية، الفعّالة في جوهرها، التي تحكم ديناميكية المجتمع، وهي التي يفترض أن تُدركها الحكومة لتتكيَّف معها وليس العكس حتى تزعم أنها تفهم حقيقة هذا "الشعب" وحقيقة ما يجري، وأنها قادرة على تمثيله فعليا لا صوريا... وفي حالة ما إذا وصلت إلى هذا الإدراك فإنها ستضطر إلى التغير، وحينها ستُصبح بالفعل حكومة الشعب الحقيقية، وتلك وحدها القادرة على صناعة ديناميكية خروجنا من التخلف والانطلاق بقوة نحو المستقبل..."

  • المراقب_الجزائر_ ابن وي وي

    لاهذه ولا تلك وكل في فلك يسبحون.

  • ابن الجزائر

    نعم لقد رفع الشعب الراية البيضاء واصبح غير مبال

  • عندما يخبرنا الواقع عن الشعوب التي اصبحت مجرد ديكور وطني

    اوافقك الراي لانك تكلمت بمنطقية واضحة
    و الذي نعرفه جميعا هو انه لا شيئ ينجح من غير نظام
    ولان السلطة تملك متسببات النظام
    فهي تملك اهم مفتاح للمستقبل المزدهر
    لكن هناك سؤال مهم !?.
    هل صاحب هذا المفتاح يعرف اين هو باب المستقبل !?.
    لا اعلم و لا احكم على احد فالواقع الحالي يجيب على الكثير
    دعنا نقول الجزائر تملك قطار شعبي مليئ بالطاقة و الثروات الشبابية
    لكن هذا القطار لا يملك سكة حديدية نظامية
    السكة الحديدية هي النظام الذي يجب ان تشرف عليه السلطة الحاكمة
    بحكمة
    غير ذلك فنحن نملك قطار واقف لا يتحرك