معارك أحمد أويحيى
ترأس السيد أحمد أويحيى، خلال أسبوع كامل، عملية سياسية كبرى ليعيد الحياة إلى مؤسسات فارغة، ويبرهن من خلالها أنه يحترم الديمقراطية وقواعدها. ولعب رئيس الحكومة دورا أساسيا في هذا الحدث السياسي البارز، وكان ناجحا على طول الخط، حيث أقنع نفسه أنه يقوم بدور بارز في المؤسسات الجزائرية، بعد أن استطاع أن يعيد كلا من الحكومة والبرلمان إلى الحياة تحت المراقبة اليومية للسلطة الرابعة.
-
وقد قام كل طرف بدوره على أتم وجه. وبطبيعة الحال كانت أحزاب التحالف الرئاسي في الواجهة لمساندة السيد أويحيى وكل ما قام به وكل ما سيقوم به، والتصفيق على مشاريعه وحصيلته، وفي نفس الوقت، عارضت المعارضة، وحلل المحللون، وانتقد الناقدون. ونقل التلفزيون على المباشر كل صغيرة وكبيرة من هذا الحدث الكبير، ليطّلع العالم على التجربة السياسية الجزائرية الرائدة ونضج المسار الديمقراطي.
-
والحق يقال، فقد بذل السيد أويحيى جهدا كبيرا في محاولته إقناع من أراد أن يقتنع. وقد ضحى رئيس الحكومة بأيام عديدة لدراسة الوضع، وتقييم حصيلة عمله خلال السنة الماضية، قبل أن يحدد خطته للمستقبل، ويسطر ملامح خطابه أمام النواب، ثم يراجعه مرة ومرتين، بحثا عن العبارة الصادقة، والكلمة الأمينة التي تحرك الروح الوطنية عند النائب والمواطن على حد السواء.
-
وكان للنواب شرف استقبال رئيس الحكومة، فأحسنوا الاستقبال، وأكرموا الضيف، ولم يبخلوه ولم يخيبوا أمله. وتجند نواب الأحزاب التي تنتمي إلى التحالف الرئاسي من أجل نجاح العملية، فكانوا في الموعد، وقاموا بدورهم على أحسن صورة، وكانت النتيجة أن صفق النواب على كلام السيد أويحيى، وصادقوا عليه جملة وتفصيلا، وفهموا ما قاله رئيس الحكومة وما لم يقله. وتابع العالم بأكمله ذاك التلاحم المنقطع النظير بين النواب والحكومة، وكيف لا ونحن نعرف أن رئيس الحكومة يعمل دائما في إطار برنامج رئيس الجمهورية، وأن النواب يستقون هم كذلك من برنامج الرئيس؟
-
وفي خطابه، تطرق رئيس الحكومة إلى كل صغيرة وكبيرة، وجاء بالأرقام المعبرة، وأعطى الأمثلة التي لها دلالة كبيرة، واستعمل العبارات القوية، والكلمات الدقيقة، فكان عند حسن ظن النواب. واستطاع من خلال كلمته أن يزيل الغموض، ويقضي على الشكوك، ويؤكد الحقائق، وينفي الإشاعة، ويطمئن الضعيف ويهنّئ الغني، وينصر الحق ويقضي على الباطل. واجتهد المحللون في تحليل خطابه، وعلق المعلقون على خطته السياسية والاقتصادية، فكان كلامهم يشيد بالبرنامج، ويمدح الرجل، ويتعجب أمام دهائه، ويعبر عن وقوفهم إجلالا وتعظيما للعبقرية التي برهن عليها السيد أويحيى خلال هذه الأيام المشهودة. ولم ينس رئيس الحكومة أن يهاجم تلك المجموعات التي أكدت عداءها للوطن، وعبّرت عن حقدها أمام الانتصارات التي حققتها الجزائر، ولم يخسر عليهم إلا عبارة واحدة، لما قال إن النظام موحد ومتماسك.
-
وأمام المجهود الكبير الذي يبذله السيد أويحيى، لا يمكن إلا أن نتعاطف معه، ونتساءل: لماذا يبذل رئيس الحكومة كل هذا الجهد لإقناع برلمان أعلن عن اقتناعه وولائه قبل زيارة السيد أويحيى؟ أليس من الأجدى أن يواصل عمله الميداني لضمان رفاهية الجزائر وازدهار أهلها، بدل أن يضيع وقته مع نواب لا يستطيعون في نهاية المطاف أن يمنعوه من القيام بعمله في خدمة الشعب والأمة؟
-
والحقيقة أن هذه النقطة أساسية في المعادلة. والمعروف أن مسؤول الجهاز التنفيذي يتوجه إلى البرلمان لما يتوفر هذا البرلمان على السلطة الكافية للإطاحة بالحكومة. أما في الجزائر، فإننا نعرف أن رئيس الحكومة، والسيد أويحيى بصفة خاصة، ليس مسؤولا إلا أمام المجموعة التي تقوم بتعيينه. أما النواب، فلا حول ولا قوة لهم، ولا سلطة لهم على رئيس الوزراء، لأنهم لا يملكون سلطة لا على حزبهم ولا حتى على أنفسهم… ويكون من الأجدى أن يكتفي رئيس الحكومة بإرضاء أهل القرار الحقيقيين، ويعفينا من متابعة نواب كان من الأفضل لهم أن يكتفوا بمنصب نائب رئيس قسم في إدارة محلية… ويقتنع السيد أويحيى أن الانتصار في معركة خيالية أمام نواب لا وجود سياسي لهم لا يشكل إلا هزيمة جديدة للجزائر، لأن دخول معارك مزيفة يمنع البلاد من دخول المعارك الحقيقية التي لا بد من خوضها…