الرأي

معالم على طريق بناء‮ “‬عقد الجماعة‮”‬

حبيب راشدين
  • 1587
  • 0

لأن الأزمة تلد الهمة،‮ ‬فإن من واجب النخب،‮ ‬كيفما كان موقعها،‮ ‬اغتنام ما‮ ‬يتربص البلد من تهديدات،‮ ‬وما تعيشه من أزمات ليس لمساعدة جوقة من‮ ‬يضيف إلى قلق المواطنين المشروع،‮ ‬ترويعهم باختلاق أزمات اصطناعية،‮ ‬واختراق أعداء وهميين،‮ ‬وأخطرهم أولئك الذين‮ ‬يروجون لثقافة اليأس من الحلول،‮ ‬في‮ ‬بلد أرضه عذراء،‮ ‬وباطنها‮ ‬يفيض ثراء،‮ ‬وأهله قد جُبلوا على التضحية،‮ ‬لا‮ ‬يحتاج سوى لنخبة عاقلة قادرة على صناعة توافق وطني‮ ‬جامع لبناء‮ “‬عقد الجماعة‮” ‬نجرّب فيه نصيحة الخليفة عمر‮: “‬استخفوا تصلوا‮”.‬

 

جيل من الكفاءات عوقته مؤسسات عاطلة

لا خلاف أن وعاء إطارات البلاد معلوم،‮ ‬وقد أصبح لدينا بعد نصف قرن من الاستقلال منتج جزائري‮ ‬صرف،‮ ‬تخرّج في‮ ‬معاهد وكليات وجامعات جزائرية بقدر مقبول من الكفاءة،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن الطعن بالجملة،‮ ‬لا في‮ ‬كفاءة إطارات الدولة،‮ ‬ولا في‮ ‬نزاهة أكثريتهم،‮ ‬ولا في‮ ‬وطنيتهم وغيرتهم على الوطن،‮ ‬وليس منسوب الفاسدين من بينهم فوق ما نعرفه من مفسدين أكثر شطارة ومهارة في‮ ‬أعرق الديموقراطيات الغربية‮.‬

وعلى الضفة المقابلة،‮ ‬يوجد في‮ ‬الاحتياط جيش من الإطارات ذات الكفاءة العالية،‮ ‬القادرة على تمويل مؤسسات الدولة بما تحتاج إليه وفي‮ ‬جميع المجالات والاختصاصات،‮ ‬معظمهم اليوم منخرط في‮ ‬أسلاك الدولة ربما في‮ ‬مواقع أقل شأنا وعلى الهامش،‮ ‬لا تسمح لهم بالتأثير،‮ ‬وليس لهم ولا لمن حسن حظه من المنتسبين للصفوة المعينة بمراسيم رئاسية،‮ ‬أن‮ ‬يؤثروا إيجابا إلا بما‮ ‬يحتفظ به بعضهم من العفة والخوف من الله،‮ ‬لأن طبيعة مؤسسات الدولة الموروثة عن دستور‮ ‬89‮ ‬ومن قبل عن مخلفات عهد الحزب الواحد،‮ ‬هي‮ ‬مؤسسات مغلقة،‮ ‬أحكم ارتاجها ضد إرادات الإصلاح والتغيير حتى مع وجود النوايا الطيبة‮.‬

 

تعدّدية بثقافة الحزب الواحد

في‮ ‬بحر نصف قرن منذ الاستقلال نمت قوى اجتماعية معتبرة،‮ ‬سواء من جهة الطبقة العاملة المهيكلة،‮ ‬أو من جهة أرباب العمل في‮ ‬القطاعين،‮ ‬أو من جهة الناشطين في‮ ‬تنظيمات المجتمع المدني،‮ ‬وقد استفادوا من النافذة التي‮ ‬فتحت في‮ ‬تدابير دستور‮ ‬89،‮ ‬وما قيل عن إطارات الدولة‮ ‬يصلح لتوصيف رجال ونساء القوى الاجتماعية المشكّلة،‮ ‬فليست كلها فاسدة،‮ ‬أو‮ ‬غير مؤهّلة للعب أدوارها،‮ ‬التي‮ ‬لا تقلّ‮ ‬أهمية عن باقي‮ ‬مؤسسات الحكم،‮ ‬وعند النظر نكتشف أن المعوقات ذاتها التي‮ ‬تمنع اليوم من تحسين أداء مؤسسات الحكم،‮ ‬تمنع في‮ ‬الضفة المقابلة تطوير أداء مؤسسات المجتمع المدني،‮ ‬إن لم تكن هي‮ ‬مصدر الإغراء على الفساد،‮ ‬وصرف أهلها عن تحقيق موازنات بين المغانم والمغارم،‮ ‬بين الحقوق والواجبات،‮ ‬بين الطموحات المشروعة في‮ ‬الكسب،‮ ‬والحرص على رعاية البقرة الحلوب حتى لا تنفق‮.‬

على مستوى المجتمع السياسي،‮ ‬كانت البلد تعِد في‮ ‬مطلع التسعينيات بميلاد طبقة سياسية قد تحررت من إصر الحزب الواحد،‮ ‬وفتحت المساراتُ‮ ‬الانتخابية أمامها فرص التنافس على مؤسسات الحكم محليا ووطنيا،‮ ‬وأنجزت البلاد استحقاقا انتخابيا محليا نموذجيا،‮ ‬وكان الاستحقاق التشريعي‮ ‬التعددي‮ ‬الأول سينقل بعض مؤسسات الحكم إلى القوى السياسية المعارضة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن إجهاض المسار الانتخابي‮ ‬المسؤول الوحيد عن تراجع حظوظ بناء تعددية سياسية محترمة،‮ ‬وتداول سلمي‮ ‬آمن على السلطة،‮ ‬وقد أتيحت لاحقا أكثر من فرصة لتصحيح خطيئة تعطيل المسار الانتخابي،‮ ‬أخفقت جميعُها في‮ ‬تأهيل طبقة سياسية قادرة على إنتاج البديل‮.‬

 

سلاح الإجماع لكسب معركة التحرير من التخلف

بقي‮ ‬أن نلتفت إلى مقدرات البلد المادية،‮ ‬وهي‮ ‬كثيرة لا‮ ‬يشكل النفط فيها سوى رأس جبل الذهب،‮ ‬الذي‮ ‬أسأنا استخدام عوائده في‮ ‬زمن البقرات السمان،‮ ‬وربما‮ ‬يكون قد صرف أنظارنا عن ترقية مناجم ثراء أعظم من الثروات الكامنة في‮ ‬باطن الأرض وعلى سطح بلد قاري‮ ‬مثل الجزائر،‮ ‬قادر على إيواء وإعالة نصف مليار أو أكثر،‮ ‬وليست أرضه أقل‮ ‬غنى من بلاد الصين والهند والبرازيل،‮ ‬وكثير من الدول التي‮ ‬كانت إلى حين تعيش تحت سقف الفقر،‮ ‬موحلة في‮ ‬تخلف ميؤوس منه،‮ ‬واستطاعت في‮ ‬زمن قياسي‮ ‬إخراج الرأس من المستنقع،‮ ‬وتحقيق طفرة شاملة باهرة،‮ ‬موطن السحر فيها أن روادها آمنوا بأمرين‮:‬

الأول: استحالة تحقيق أي‮ ‬إصلاح أو تغيير قبل تحقيق توافق وإجماع واسعين بين النخب قبل مواجهة الشعوب بحقائق واقع الحال،‮ ‬وحملها على تقبّل إصلاحات موجعة،‮ ‬مؤلمة،‮ ‬وتبعاتها من الدماء والعرق،‮ ‬ومن ظلم طبقي،‮ ‬وإقصاء مؤقت لفئات واسعة مُنعت من ركوب القطار المنطلق،‮ ‬ومن تقييد للحريات،‮ ‬وقمع للحركات الإحتجاجية،‮ ‬وكسر لكثير من الطابوهات،‮ ‬وتجاوز المعوقات الثقافية،‮ ‬والاجتماعية،‮ ‬والدينية،‮ ‬كثمن كان‮ ‬ينبغي‮ ‬لهذه الشعوب أن تدفعه‮.‬

الثاني: ‬أنها تعاملت مع الواقع العالمي،‮ ‬ومع ما‮ ‬يفرضه من تقسيم مجحف للعمل بقدر من العقلانية والبراغماتية،‮ ‬ودخلته من البوابة التي‮ ‬تمتلك فيها فرصة التنافس والقتال على الأسواق بما تملك من مقدرات مادية أو بشرية ذاتية،‮ ‬وقصدت إلى بناء اقتصاد موجّه للتنافس في‮ ‬ما لم‮ ‬يعد للغرب المهيمن القدرة أو الرغبة في‮ ‬التنافس فيه‮.‬

وبلغة‮ ‬يفهمها المسلم،‮ ‬فقد توصّلت النخب في‮ ‬هذه الدول إلى إنجاز ما‮ ‬يشبه‮ “‬عام الجماعة‮” ‬على المستوى السياسي،‮ ‬بترحيل خلافاتها إلى ما بعد إخراج دولهم من وحل التخلف،‮ ‬وترجمت إلى الواقع،‮ ‬ومن حيث لم تقصد،‮ ‬قول الخليفة عمر‮: “‬استخفوا تصلوا‮” ‬فاستخفت بطرح الأوزار،‮ ‬والتحرر من المعوقات،‮ ‬وهجرت طبقتها السياسية والثقافية والروحية سوق المهاترات التي‮ ‬لا تسمن ولا تغني‮ ‬من جوع‮.‬

 

ثلاثية ميسرة لبناء عقد الجماعة

شعبنا ليس أقل استعدادا للتضحية كما ضحى الصينيون،‮ ‬والهنود،‮ ‬والبرازيليون،‮ ‬ولم تكن محنته في‮ ‬العشرية السوداء أكبر من محنة شعب جنوب إفريقيا مع النظام العنصري،‮ ‬ولم نواجه ما واجهته إيران من حصار اقتصادي‮ ‬وسياسي،‮ ‬وليست جبهة التحرير ألعن من الحزب الشيوعي‮ ‬الصيني‮ ‬وهو‮ ‬يقود النهضة الصينية،‮ ‬بعد أن أفلس في‮ ‬بناء المجتمع الشيوعي،‮ ‬وليست مؤسستنا العسكرية أكثر نفوذا وتدخلا في‮ ‬الشأن السياسي‮ ‬من المؤسسة العسكرية الصينية،‮ ‬ولا الـ”دي‮ ‬إير آس‮” ‬أكثر هيمنة من‮ “‬الآف أس بي‮” ‬وريث‮ “‬الكاجي‮ ‬بي‮” ‬الذي‮ ‬أوصل بوتن إلى السلطة،‮ ‬ويدير معه خلف الستار تعافي‮ ‬الدب الروسي،‮ ‬وعودته للمنافسة على الزعامة العالمية‮.‬

كل ما نحتاج إليه للخروج من عنق الزجاجة،‮ ‬هو الضغط على نخبنا،‮ ‬وحملها على الجلوس إلى طاولة حوار جادة،‮ ‬بجدول أعمال قد لا‮ ‬يزيد عن ثلاثة بنود‮: ‬

الأول: ‬بناء توافق وطني‮ ‬شامل لإدارة ما أطلقت عليه عنوان‮ “‬عقد الجماعة‮” ‬يحضر له في‮ ‬ما بقي‮ ‬من العهدة الرئاسية الرابعة،‮ ‬بشراكة‮ ‬غير مقيدة بشروط،‮ ‬سوى شرط التوافق،‮ ‬بين أبرز مكونات وأركان النظام،‮ ‬وتشكيلة واسعة من نخبنا السياسية،‮ ‬والعسكرية،‮ ‬والأمنية،لا تتردد في‮ ‬الاستعانة بأفضل ما في‮ ‬البلد من عقول مبدعة‮.‬

الثاني‭: ‬التوافق على مشروع وطني‮ ‬اقتصادي‮ ‬قيادي،‮ ‬قاطر لحركة التنمية المستدامة،‮ ‬قادر على تحرير البلد من التبعية للعوائد النفطية،‮ ‬ثم التنافس في‮ ‬ما‮ ‬يسمح به التقسيم العالمي‮ ‬للعمل‮.‬

الثالث: التجميد الطوعي‮ ‬لكل ما من شأنه أن‮ ‬يعيق إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مخرجات التوافق،‮ ‬سواء تعلق الأمر بالاستحقاقات الاجتماعية،‮ ‬والمطالب الفئوية المادية والمعنوية،‮ ‬أو ما له صلة بخلافاتنا حول قضايا الهوية،‮ ‬والثقافة،‮ ‬والدين،‮ ‬تحفظ إلى حين استعادة البلاد لتوازنه،‮ ‬وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق تحت مظلة‮ “‬عقد الجماعة‮”.‬

‭‬ولأني‮ ‬أومن كما ذكرت في‮ ‬عمود سابق،‮ ‬أن كل مواطن،‮ ‬مهما قل شأنه،‮ ‬يختزن في‮ ‬مخيلته أكثر من لحن‮ ‬يصلح أن‮ ‬يرقص عليه الوطن،‮ ‬فسوف أعرض على قراء‮ “‬الشروق‮”‬،‮ ‬ومن خلالهم على شريحة أوسع جملة من الأفكار والمقاربات لبعض مضامين‮ “‬عقد الجماعة‮” ‬الذي‮ ‬دعوت إليه حتى قبل بداية حراك الربيع العربي‮ ‬كطريق ثالث آمن بين سبيل التغيير بالثورات الذي‮ ‬تكشفت عوراته ومطباته،‮ ‬وسبيل التعويل على التغيير عبر مسارات تعددية قاصرة،‮ ‬قد أصبحت في‮ ‬بلدنا جزءا من المشكلة بدل أن تكون أداة للحل‮.‬

مقالات ذات صلة