معالم على طريق بناء “عقد الجماعة”
لأن الأزمة تلد الهمة، فإن من واجب النخب، كيفما كان موقعها، اغتنام ما يتربص البلد من تهديدات، وما تعيشه من أزمات ليس لمساعدة جوقة من يضيف إلى قلق المواطنين المشروع، ترويعهم باختلاق أزمات اصطناعية، واختراق أعداء وهميين، وأخطرهم أولئك الذين يروجون لثقافة اليأس من الحلول، في بلد أرضه عذراء، وباطنها يفيض ثراء، وأهله قد جُبلوا على التضحية، لا يحتاج سوى لنخبة عاقلة قادرة على صناعة توافق وطني جامع لبناء “عقد الجماعة” نجرّب فيه نصيحة الخليفة عمر: “استخفوا تصلوا”.
جيل من الكفاءات عوقته مؤسسات عاطلة
لا خلاف أن وعاء إطارات البلاد معلوم، وقد أصبح لدينا بعد نصف قرن من الاستقلال منتج جزائري صرف، تخرّج في معاهد وكليات وجامعات جزائرية بقدر مقبول من الكفاءة، ولا يمكن الطعن بالجملة، لا في كفاءة إطارات الدولة، ولا في نزاهة أكثريتهم، ولا في وطنيتهم وغيرتهم على الوطن، وليس منسوب الفاسدين من بينهم فوق ما نعرفه من مفسدين أكثر شطارة ومهارة في أعرق الديموقراطيات الغربية.
وعلى الضفة المقابلة، يوجد في الاحتياط جيش من الإطارات ذات الكفاءة العالية، القادرة على تمويل مؤسسات الدولة بما تحتاج إليه وفي جميع المجالات والاختصاصات، معظمهم اليوم منخرط في أسلاك الدولة ربما في مواقع أقل شأنا وعلى الهامش، لا تسمح لهم بالتأثير، وليس لهم ولا لمن حسن حظه من المنتسبين للصفوة المعينة بمراسيم رئاسية، أن يؤثروا إيجابا إلا بما يحتفظ به بعضهم من العفة والخوف من الله، لأن طبيعة مؤسسات الدولة الموروثة عن دستور 89 ومن قبل عن مخلفات عهد الحزب الواحد، هي مؤسسات مغلقة، أحكم ارتاجها ضد إرادات الإصلاح والتغيير حتى مع وجود النوايا الطيبة.
تعدّدية بثقافة الحزب الواحد
في بحر نصف قرن منذ الاستقلال نمت قوى اجتماعية معتبرة، سواء من جهة الطبقة العاملة المهيكلة، أو من جهة أرباب العمل في القطاعين، أو من جهة الناشطين في تنظيمات المجتمع المدني، وقد استفادوا من النافذة التي فتحت في تدابير دستور 89، وما قيل عن إطارات الدولة يصلح لتوصيف رجال ونساء القوى الاجتماعية المشكّلة، فليست كلها فاسدة، أو غير مؤهّلة للعب أدوارها، التي لا تقلّ أهمية عن باقي مؤسسات الحكم، وعند النظر نكتشف أن المعوقات ذاتها التي تمنع اليوم من تحسين أداء مؤسسات الحكم، تمنع في الضفة المقابلة تطوير أداء مؤسسات المجتمع المدني، إن لم تكن هي مصدر الإغراء على الفساد، وصرف أهلها عن تحقيق موازنات بين المغانم والمغارم، بين الحقوق والواجبات، بين الطموحات المشروعة في الكسب، والحرص على رعاية البقرة الحلوب حتى لا تنفق.
على مستوى المجتمع السياسي، كانت البلد تعِد في مطلع التسعينيات بميلاد طبقة سياسية قد تحررت من إصر الحزب الواحد، وفتحت المساراتُ الانتخابية أمامها فرص التنافس على مؤسسات الحكم محليا ووطنيا، وأنجزت البلاد استحقاقا انتخابيا محليا نموذجيا، وكان الاستحقاق التشريعي التعددي الأول سينقل بعض مؤسسات الحكم إلى القوى السياسية المعارضة، ولم يكن إجهاض المسار الانتخابي المسؤول الوحيد عن تراجع حظوظ بناء تعددية سياسية محترمة، وتداول سلمي آمن على السلطة، وقد أتيحت لاحقا أكثر من فرصة لتصحيح خطيئة تعطيل المسار الانتخابي، أخفقت جميعُها في تأهيل طبقة سياسية قادرة على إنتاج البديل.
سلاح الإجماع لكسب معركة التحرير من التخلف
بقي أن نلتفت إلى مقدرات البلد المادية، وهي كثيرة لا يشكل النفط فيها سوى رأس جبل الذهب، الذي أسأنا استخدام عوائده في زمن البقرات السمان، وربما يكون قد صرف أنظارنا عن ترقية مناجم ثراء أعظم من الثروات الكامنة في باطن الأرض وعلى سطح بلد قاري مثل الجزائر، قادر على إيواء وإعالة نصف مليار أو أكثر، وليست أرضه أقل غنى من بلاد الصين والهند والبرازيل، وكثير من الدول التي كانت إلى حين تعيش تحت سقف الفقر، موحلة في تخلف ميؤوس منه، واستطاعت في زمن قياسي إخراج الرأس من المستنقع، وتحقيق طفرة شاملة باهرة، موطن السحر فيها أن روادها آمنوا بأمرين:
الأول: استحالة تحقيق أي إصلاح أو تغيير قبل تحقيق توافق وإجماع واسعين بين النخب قبل مواجهة الشعوب بحقائق واقع الحال، وحملها على تقبّل إصلاحات موجعة، مؤلمة، وتبعاتها من الدماء والعرق، ومن ظلم طبقي، وإقصاء مؤقت لفئات واسعة مُنعت من ركوب القطار المنطلق، ومن تقييد للحريات، وقمع للحركات الإحتجاجية، وكسر لكثير من الطابوهات، وتجاوز المعوقات الثقافية، والاجتماعية، والدينية، كثمن كان ينبغي لهذه الشعوب أن تدفعه.
الثاني: أنها تعاملت مع الواقع العالمي، ومع ما يفرضه من تقسيم مجحف للعمل بقدر من العقلانية والبراغماتية، ودخلته من البوابة التي تمتلك فيها فرصة التنافس والقتال على الأسواق بما تملك من مقدرات مادية أو بشرية ذاتية، وقصدت إلى بناء اقتصاد موجّه للتنافس في ما لم يعد للغرب المهيمن القدرة أو الرغبة في التنافس فيه.
وبلغة يفهمها المسلم، فقد توصّلت النخب في هذه الدول إلى إنجاز ما يشبه “عام الجماعة” على المستوى السياسي، بترحيل خلافاتها إلى ما بعد إخراج دولهم من وحل التخلف، وترجمت إلى الواقع، ومن حيث لم تقصد، قول الخليفة عمر: “استخفوا تصلوا” فاستخفت بطرح الأوزار، والتحرر من المعوقات، وهجرت طبقتها السياسية والثقافية والروحية سوق المهاترات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
ثلاثية ميسرة لبناء عقد الجماعة
شعبنا ليس أقل استعدادا للتضحية كما ضحى الصينيون، والهنود، والبرازيليون، ولم تكن محنته في العشرية السوداء أكبر من محنة شعب جنوب إفريقيا مع النظام العنصري، ولم نواجه ما واجهته إيران من حصار اقتصادي وسياسي، وليست جبهة التحرير ألعن من الحزب الشيوعي الصيني وهو يقود النهضة الصينية، بعد أن أفلس في بناء المجتمع الشيوعي، وليست مؤسستنا العسكرية أكثر نفوذا وتدخلا في الشأن السياسي من المؤسسة العسكرية الصينية، ولا الـ”دي إير آس” أكثر هيمنة من “الآف أس بي” وريث “الكاجي بي” الذي أوصل بوتن إلى السلطة، ويدير معه خلف الستار تعافي الدب الروسي، وعودته للمنافسة على الزعامة العالمية.
كل ما نحتاج إليه للخروج من عنق الزجاجة، هو الضغط على نخبنا، وحملها على الجلوس إلى طاولة حوار جادة، بجدول أعمال قد لا يزيد عن ثلاثة بنود:
الأول: بناء توافق وطني شامل لإدارة ما أطلقت عليه عنوان “عقد الجماعة” يحضر له في ما بقي من العهدة الرئاسية الرابعة، بشراكة غير مقيدة بشروط، سوى شرط التوافق، بين أبرز مكونات وأركان النظام، وتشكيلة واسعة من نخبنا السياسية، والعسكرية، والأمنية،لا تتردد في الاستعانة بأفضل ما في البلد من عقول مبدعة.
الثاني: التوافق على مشروع وطني اقتصادي قيادي، قاطر لحركة التنمية المستدامة، قادر على تحرير البلد من التبعية للعوائد النفطية، ثم التنافس في ما يسمح به التقسيم العالمي للعمل.
الثالث: التجميد الطوعي لكل ما من شأنه أن يعيق إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مخرجات التوافق، سواء تعلق الأمر بالاستحقاقات الاجتماعية، والمطالب الفئوية المادية والمعنوية، أو ما له صلة بخلافاتنا حول قضايا الهوية، والثقافة، والدين، تحفظ إلى حين استعادة البلاد لتوازنه، وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق تحت مظلة “عقد الجماعة”.
ولأني أومن كما ذكرت في عمود سابق، أن كل مواطن، مهما قل شأنه، يختزن في مخيلته أكثر من لحن يصلح أن يرقص عليه الوطن، فسوف أعرض على قراء “الشروق”، ومن خلالهم على شريحة أوسع جملة من الأفكار والمقاربات لبعض مضامين “عقد الجماعة” الذي دعوت إليه حتى قبل بداية حراك الربيع العربي كطريق ثالث آمن بين سبيل التغيير بالثورات الذي تكشفت عوراته ومطباته، وسبيل التعويل على التغيير عبر مسارات تعددية قاصرة، قد أصبحت في بلدنا جزءا من المشكلة بدل أن تكون أداة للحل.