معربز وأفتخر!
قال لي وزير أسبق بالفم المليان: “أنا معربز وأفتخر”. وروى لي “شاهد على العصر”، كيف كانت اللغة العربية خطا أحمر، يحرق كلّ من تجاوزه، و”يشوّط” كل من حاول اللعب بناره!
وقال في خضم تحليلاته وتوقعاته، إن “الهيصة والزيطة” التي أنتجتها “الدارجة”، هي مؤشر “قلق” ما يسمى بالفرنكوفونيين، أو الفرونكوفيليين، جرّاء اتساع رقة “المعربزين” وانحسار التعامل باللغة الفرنسية أمام انتشار الإنجليزية كلغة بديلة في كلّ بلدان العالم!
صدق هذا الوزير الأسبق “المعربز”، فالإنجليزية توسّعت وتنامت وانتشرت في كلّ بلدان العالم، العربية منها والغربية، ويكاد لا يُسمع صوت للفرنسية كلغة تفاهم وتبادل إلاّ في فرنسا وبعض مستعمراتها القديمة، مع تسجيل “انقراض” الجيل الذي تعلم الفرنسية مضطرا أو مخيّرا في زمن الاستعمار الفرنسي الذي حاول طمس اللغة والهوية العربية!
قد يكون تنامي الجيل المعرّب الذي رضع من حليب ولبن و”رايب” المدرسة الأساسية، سببا في تحرّك “جماعة ڤيڤوز” ممّن تحرّكوا لإنقاذ رصيدهم و”لغتهم”، أولا من “عودة” المعرّبين واستقوائهم، وثانيا إنقاذها من “المدّ الإنجليزي” الذي زحف عبر البلدان الصانعة والحاضنة للحضارة والعلوم والتكنولوجيا!
لقد حاول في عدّة مراحل من “صراع” المعرّب مع المفرنس، “إيديولوجيون” السيطرة على مفاصل الإدارة والمدرسة والإعلام والنخبة، معتقدين أن الفرنسية هي اللغة الوحيدة للتطور والتقدّم، لكن بروز الإنجليزية ولغات أخرى، كالصينية والإسبانية، وعودة جيل المعرّبين من بعيد، أثار الهلع وسط هؤلاء الذين يعتقدون مخطئين أن العربية خطر عليهم!
لم تتقو المدرسة والجامعة، بالقدر الذي تقوّت به بعد التعريب، حالها حال الإدارة، وكان القضاء منذ البدايات الأولى للاستقلال الشوكة في حلق خصوم إنجاح مسعى التعريب، ولأن الرعيل الأول من “المفرنسين” وفيهم نماذج تستحق كلّ العرفان والتقدير، يكاد ينقرض، في ظل تنامي نخبة واسعة من “المعربزين”، فإن الذين يتنفسون اللغة والأفكار الفرنسية بدل أن يتكلموا بها فقط، يشعرون بالأسى والرعشة ويخوّفون أنفسهم من الدونكيشوت!
قد تكون الدارجة و”العامية”، جزءا من عُمق المجتمع، لكن هل يُمكنها أن تنافس اللغة الأمّ في المدرسة والإدارة والوثائق الرسمية؟.. وهل يُمكن للغة الفرنسية أو الإنجليزية أن تـُفرض على التلميذ أو القارئ، إن هو وجد بديلا يفهمه ويتقنه ويؤمن به حدّ النخاع؟.. أعتقد أنه لا داعي لخلط الماء بالزيت، فالصاعد بيّن والنازل بيّن!