معركة “الطوفان” في قلب التحوّلات الكبرى
تعدّ فلسطين أرضا مباركة للعالمين، ومن تجلّيات تلك البركة هي البركة السياسية، والتي تعني أنّ لها آثارا وتداعيات عالمية تمسّ البشرية جمعاء، فهي محور الصراع الدولي، وملتقى الصدام الحضاري، ومحل أطماع القوى العالمية.
وقد نصّ الفقه السياسي القرآني على أنموذج من ذلك، في كونها مرتكز ذلك الصراع العالمي القديم، بين القوى العظمى زمن نزول الوحي، بين المعسكر الشرقي (الفرس/ المجوس)، وبين المعسكر الغربي (الروم/ النصارى) في قوله تعالى في صدر سورة الروم المكية: “ألم، غُلِبت الرُّوم، في أدنى الأرض..” (الرُّوم: 1- 3).
إلا أنّ التعبير القرآني لم يقف عند تلك اللحظة الموقوتة، في الظرف الزماني والمكاني الضيّق، بل كانت مناسبةً للانطلاق إلى آفاق أوسع في الفقه السياسي، الذي يربط بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، ويرتفع بتصوّر الصحابة -ومنذ المرحلة المكّية- إلى فقه السياسات الدولية، وارتباط فقه الدعوة بالتحوُّلات الكبرى، وضبط هذا الفقه بإيقاع تقاطع العلاقات وتصادم الإرادات وتشابك المصالح العالمية، وقد نصّت الآية أنها كانت في “أدنى الأرض”، وهي طرف بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين الآن)، ممّا يلي بلاد الحجاز (السعودية الآن)، وهي منطقة غور البحر الميت (بين الأردن وفلسطين)، والتي هي جزء من خسف أرضيّ عظيم، يمتدُّ من منطقة البحيرات شرق إفريقيا، إلى بحيرة طبرية (بين فلسطين وسوريا)، إلى الحدود الجنوبية لتركيا، مرورا بالبحر الأحمر وخليج العقبة (بين مصر والسعودية وفلسطين)، وهي المنطقة الأكثر أهميةً في الصراعات الدولية الآن.
وفي العصر الحديث تبقى القضية الفلسطينية قضية مركزية عالمية في العلاقات والسياسات والصراعات الدولية، وفي الوقت الذي راهنت القوى الغربية -وعلى رأسها أمريكا- على حسم هذه القضية وتصفيتها لصالح الكيان الصهيوني، جاءت معركة “طوفان الأقصى” يوم 07 أكتوبر 2023م لتقلب الطاولة على الجميع.
لقد ضياع حلم الدولة الفلسطينية منذ قرار التقسيم سنة 1947م، وتبخّرت أوهام حلول التسوية منذ اتفاقيات أوسلو سنة 1993م، وبلغ العلو الكبير للكيان الصهيوني مبلغه بعد وصول اليمين الديني المتطرّف إلى مفاصل الحكم بقيادة نتن ياهو، فكانت السياقات الطبيعية لمعركة “طوفان الأقصى” أنها خطوةٌ ضروريةٌ لمنع تصفية القضية الفلسطينية، ومواجهة سياسات تهويد القدس وهدم المسجد الأقصى، ووقف الاستيطان في الضفة الغربية، ورفع الحصار عن غزة، وتحرير أزيد من 05 آلاف فلسطيني من سجون الاحتلال الصهيوني الوحشي، وإيقاف مشروع التطبيع واتفاقات إبراهام وصفقة القرن، وتصفية القضية، والهيمنة الصهيونية في المنطقة، فكانت هذه المعركة طبيعية لتهزّ الضمير العالمي، وتزلزل هذا الكيان النازي، وتعيد القضية الفلسطينية إلى جوهر اهتمام الكون، وسلَّم أولويات العالم، وقد اعتبر “محمد الضيف” القائد العامّ لكتائب “القسام أنّ: “اليوم هو يوم المعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال الأخير على سطح الأرض”، فكانت بحقّ في قلب التحوّلات الاستراتيجية الكبرى، ومنها:
- التحوّلات الكبرى في مسار المشروع التحرّري الوطني الفلسطيني: معركة “طوفان الأقصى” كانت قفزة نوعية إستراتيجية غير مسبوقة في تاريخ القضية الفلسطينية، ومسار الصراع مع الاحتلال الصّهيوني، وقد كانت من مبرّراتها الكبرى هي “المسجد الأقصى” وتحرير الأسرى الذين كان أغلبهم من الضفة الغربية، فأنهت بذلك البعد الوطني حالة الانقسام، وحقّقت إجماعا وطنيّا فلسطينيّا في الميدان، بين جميع الفصائل وأذرعها العسكرية، في وحدة الدّم والمصير، وعرّت حقيقة المشروع الاستسلامي للسّلطة الفلسطينية، ونزعت عنها شرعيتها الأخلاقية والسياسية والميدانية، بعد أن تمادت في التماهي مع هذا الكيان النازي، عبر التمسُّك باتفاق أوسلو المشؤوم و”التنسيق الأمني” الخبيث، ورسَّخت خيار المقاومة العسكرية الجهادية البطولية المشرقة، وأنْهَت الجدلية التاريخية في أنّ مواجهة الاحتلال -وإن كان الأقوى تكنولوجيّا وعسكريّا وتسليحيّا- هو الخيار المنسجم مع التجربة التاريخية للشعوب في تحرّرها عبر المقاومة المسلَّحة مهما كانت الأثمان باهظة.
2- المشاريع الإقليمية في المنطقة: هناك مشاريع إقليمية متنافسة في المنطقة، منها: – مشروع استعماريّ غربيّ في المنطقة، يتمثل في مشروع “إسرائيل الكبرى”، من نهر الفرات بالعراق إلى نهر النيل بمصر، تريد الحكومات الغربية فرضه وتطبيع وجوده بغرور القوّة والتفوّق العسكري والتكنولوجي، وقد اتضحت ملامحه المشؤومة للعيان تحت غطاء (مشروع الشرق الأوسط الكبير). – مشروع إيرانيّ يتمدّد بشكل مفضوح، بعد أن بلغ النفوذ الإيراني ذروته في عدة عواصم عربية، تمثَّل في الهلال الشيعي الذي يشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن، إلا أنه لا يمثّل مشروعا إسلاميّا حقيقيّا لغرقه في البعد الطائفي والمذهبي. – مشروع تركيّ بدأ يتسلَّل في المنطقة، والذي وصل إلى التدخّل العسكري في العراق (الأكراد)، وفي سوريا (الشمال)، وفي ليبيا (مع حكومة طرابلس)، ومحافظته على علاقاته مع الكيان الصهيوني، وتطبيع علاقاته مع مصر والسعودية والإمارات، إلا أنه لا يمثّل قدوة إسلامية حقيقية، لطغيان نزعته القومية، وغرقه في أحلام “العثمانيين الجدد” و”قرن تركيا”.
إزاء ذلك كلّه، جاءت معركة “طوفان الأقصى” نموذجا للمشروع التحرّري، لتفرض اصطفافا جديدا في المنطقة والعالم، بين مشروع المقاومة التحرّري والمشروع الصّهيوني الاحتلالي، وهو ما يفسّر العلاقات الطبيعية والمتوازنة للمقاومة الفلسطينية مع كلّ مكوّنات الأمة، على قاعدة مشروع التحرير (تحرير الأرض المباركة، وتحرير المسجد الأقصى المبارك، وتحرير الأمة)، والتسامي فوق الأبعاد العرقية والقومية (العرب والعجم) والمذهبية والطائفية (السّنية والشيعية).
3- المشاريع الدولية في المنطقة: فقد انعقدت في “نيودلهي” بالهند يومي 9 و10 سبتمبر 2023م (أي قرابة شهر قبل انطلاق معركة “طوفان الأقصى”) القمة الـ18 لمجموعة العشرين، والتي كشف فيها عن مشروعٍ عملاقٍ، وهو ممرّ اقتصاديّ يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، يطلق عليه “طريق التوابل”، للتمييز بينه وبين مشروع “الحزام والطريق”، الذي قرّرت الصين إعادة إحيائه عام 2013م، وأنفقت عليه حتى الآن ما يقارب تريليون دولار (ألف مليار دولار). وهو مشروع أمريكيّ سياسيّ بامتياز، يستهدف تشييد خطّ بحريّ بين الهند والإمارات، وممرّ للسكة الحديدية بين الإمارات والكيان الصهيوني بميناء حيفا المطلّ على البحر المتوسط، ويمرّ بالسعودية والأردن، وخطّ بحريّ يربط بين الكيان الصهيوني وأوروبا.
كانت معركة “طوفان الأقصى” خطوة ضرورية لمنع تصفية القضية الفلسطينية، ومواجهة سياسات تهويد القدس وهدم المسجد الأقصى، ووقف الاستيطان في الضفة الغربية، ورفع الحصار عن غزة، وتحرير أزيد من 05 آلاف فلسطيني من سجون الاحتلال، وإيقاف مشروع التطبيع واتفاقات إبراهام وصفقة القرن، وتصفية القضية، والهيمنة الصهيونية في المنطقة، فكانت هذه المعركة طبيعية لتهزّ الضمير العالمي، وتزلزل هذا الكيان النازي، وتعيد القضية الفلسطينية إلى جوهر اهتمام الكون.
ويندرج هذا المشروع ضمن الرؤية الإستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى تحقيق عدة أهداف، منها: عرقلة نمو الصين وتأجيج خلافاتها مع الهند، وعزل إيران ومحاصرة نفوذها في المنطقة، ومنع تزويدها لأوروبا بالنفط والغاز عبر العراق وسوريا ولبنان، وتعميق علاقات التعاون بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وتوسيع نطاق اتفاقات “أبراهام” للتطبيع معها وضمّ السعودية إليها، والرّدّ على الصين لنجاحها في التوسّط بين إيران والسعودية.
وسيمكّن هذا المشروع الكيان الصهيوني بأن يكون القوة الرئيسية، وضابط الإيقاع الرئيسي لتفاعلات المنطقة، وهمزة الوصل الرئيسية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. ولذلك، طار نتانياهو فرحا بهذا المشروع، عندما وصفه بأنه (أكبر مشروع تعاون في تاريخ إسرائيل)، وبأنه (يأخذ المنطقة إلى حقبة جديدة من التكامل والتعاون الإقليمي والعالمي غير المسبوق)، وكأنّه طوق نجاة أُلقِي إليه، وهو الغارق في أزماته الداخلية والخارجية.
وكان الهدف الأساسي من هذا المشروع هو تأبيد الهيمنة الأمريكية الغربية الصهيونية، والاستمرار في الأحادية القطبية، والاستفراد بالنظام العالمي، فجاءت معركة “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر 2023 لتخلط كلَّ هذه الأوراق، وتبعثر صفحات هذه المشاريع، وتدفع باتجاه التسريع ضمن هذه التحوّلات الكبرى إلى إنهاء الزمن الأمريكي والذهاب رأسا إلى عالم متعدّد الأقطاب، أكثر توازنا وعدلا.
لقد عمّقت معركة “طوفان الأقصى” الجراح في قلب المشروع الصّهيو- أمريكي في المنطقة، وجعلت أغلب الصّهاينة يعيشون انغماسا نفسيّا وذهنيّا في مشاعر الرُّعب من مستقبلهم المجهول، بسبب فقدانهم الثقة في مؤسَّستهم العسكرية والأمنية والسياسية، رغم الدعم الغربي المطلق؛ فقد اجتاحت موجات القلق على مستقبل الصهيونية العالمية، وانقلب هذا الكيان المتهالك من أرض للميعاد التاريخي إلى أرض للافتراق التاريخي، بعودة الصهاينة إلى أوطانهم الأصلية، الأكثر سلما وأمانا، وأنّ نقاشا في الذات الصّهيونية يشكّك في الحُلْم الكاذب لـ”تيودور هرتزل” مؤسّس الصهيونية، ويُسقط مطلبه في الماء، إذ قال سنة 1900م: “تطالب الصّهيونية بوطن معترف به علنيّا، ومضمون قانونيّ في فلسطين للشعب اليهودي”، فكانت معركة الطوفان في قلب هذه التحوّلات الدولية الكبرى، لتشكّل خطرا وجوديّا حقيقيّا على بقاء “إسرائيل” في هذا الوجود.