-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من دفاتر الثورة

معركة موقورنو… ملحمة الشهداء الحفاة

ك. فاروق
  • 187
  • 0
معركة موقورنو… ملحمة الشهداء الحفاة

دفاتر الثورة التحريرية مليئة بالبطولات والمعارك الخالدة، التي أرّخت لنضال شعب لم يرضخ للظلم والعدوان. من بين أشرس المعارك التي خاضها جيش التحرير، معركة وصفت بالجحيم على الجيش الفرنسي، لأنه خرج منها مهزوما مهزوزا، خسر فيها العتاد والعباد، فكانت معركة جبل مونقورنو، أو موقورنو، من بين آلاف المسامير التي دقت في نعش فرنسا، التي زعمت أن قوة جيشها لا تقهر، لتخرج أركان القيادة الفرنسية من هذه المعركة بمعنويات محبطة، وخسائر فادحة، لم تكن في الحسبان.

جرت معركة موقورنو، في أواخر شهر ديسمبر. الجيش الفرنسي لم يكن حينها يحاصر المجاهدين بالسلاح فقط، بل كان يحاصرهم بالجوع. فقد كانت المداشر التي تؤويهم تحرق عن بكرة أبيها، وكانت المؤونة تمنع من الوصول إليهم. إلى درجة أن كل من يُضبط وهو يحمل كيس دقيق أو حزمة ألبسة أو زوج أحذية، في اتجاه الجبال معرضًا للاعتقال والتعذيب.

ومع مرور الشهور، تمزقت أحذية المجاهدين، ولم يكن هناك من يصنع غيرها، ولا من يشتريها، ولا من يوصلها، فأصبح كثير منهم يقاتل حافي القدمين.

كان بعضهم يلف قدميه بقطع قماش. وبعضهم يربط جلد الماعز، أو أي جلد يعثر عليه، حول قدميه، لكن الصخور الحادة كانت تمزق كل شيء.

لقد كانت ليلة الثلاثين من ديسمبر شديدة البرودة، ولم يكن من الممكن أن يشعل المجاهدون نارا، لأن نارًا صغيرة كانت كافية لتدل الطائرات الفرنسية على مكانهم. قضوا الليل كله يصارعون البرد والجوع في انتظار الفجر.

منطقة الزبيرية… بالقرب من المدية، لم يكن محض صدفة، بل جاء بناءً على قرار مدروس من قيادة الولاية الرابعة التاريخية، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية البالغة للمنطقة. فقد شهدت هذه الجبال، طيلة أربع سنوات كاملة، معارك ضارية لا متناهية، صارع فيها الطرفان من أجل السيطرة على المنافذ الاستراتيجية الحيوية، التي تميز موقع المنطقة.

صناع هذا النصر المظفر، ممن كتب الله لهم النجاة، على غرار الطاهر بوسبع، ومحمد شالو، وعبد القادر رميلة، وعمر دبيب، نقلوا بشهادتهم القصة بحذافيرها، ورووا كيف تحولت أرض الزبيرية في ذلك اليوم المشهود إلى جحيم مستعر، أتى على الأخضر واليابس. المواجهة لم تكن عادلة، فقد واجه المجاهدون آلاف الجنود الفرنسيين، المدعمين بأحدث الترسانات الحربية من مدرعات، وطائرات مقاتلة، ومروحيات مخصصة للمراقبة ونقل قوات “شبه الكوماندوز”.

وبينما اعتمدت فرنسا على ترساناتها وجيوشها، اختار جيش التحرير الوطني أن يركز على التنظيم المحكم، والتنسيق العالي بين كتائب “الزبيرية”، و”العمارية”، و”الحمدانية”، حيث كانت تضم كل كتيبة ما بين 180 إلى 200 مجاهد. والتحق دعم كبير من كتيبة “الجلولية”، القادمة من الولاية السادسة بجنوب الوطن، للمشاركة في اجتماع “موقورنو”، ليجسدوا وحدة الدم والهدف.

أربعة أيام لإجلاء القتلى

انتهت هذه المعركة الخالدة، بتكبد جنرال فرنسا “ماسي” خسائر بشرية ومادية فادحة؛ إذ تفيد الشهادات التاريخية بأن حصيلة قتلى العدو قاربت 600 قتيل، سقط من بينهم العديد من الضباط وعناصر وحدات النخبة لجيش الاحتلال.
بعد انتهاء معركة موقورنو، بقيت في ذاكرة سكان القرى المجاورة لميدان المعركة بطولات المجاهدين البواسل، كما رسخت في أذهانهم الحركةُ اللامتناهية للمروحيات العسكرية الفرنسية، وهي تحوم في رعب فوق المرتفعات الغابية لموقورنو، بحثاً عن الجرحى والناجين من صفوفها. وبحسب الشهادات المحلية، فقد استغرقت عملية الإجلاء الجوي لجثث العسكريين الذين قتلوا في المعركة أربعة أيام كاملة.

شهداء بلا وجوه

أمام فداحة خسائره، قام جيش الاحتلال الفرنسي بدفن جثامين المجاهدين الذين استشهدوا في ميدان الشرف داخل مقبرة جماعية. وفي المقابل، هبّ القرويون لتفقد أرض المعركة وقاموا بدفن الجثامين المحروقة لأبطال كتائب “الزبيرية”، و”الحمدانية”، و”الجلولية”. ورغم أنه تجهل لغاية اليوم هوية عدد كبير من هؤلاء الشهداء الأبرار، إلا أن التاريخ خلد أسماءهم كأبطال آثروا حمل السلاح واختاروا التضحية بأرواحهم في سبيل استرجاع حرية واستقلال الجزائر.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!