مع الخاسرين ظالمين أو مظلومين!
تزاحم ما لا يقلّ عن نصف مليون مترشح، أمام الانترنيت، إضافة إلى نفس الرقم وربما أكثر، ممثلا لأوليائهم وأصدقائهم ومقرّبيهم وحتى الفضوليين، يؤكد مدى أهمية شهادة البكالوريا، التي تحوّلت إلى “شهادة العمر”، لكن الحال أن هذه الورقة بقدر ما هي حلم وأمنية كل التلاميذ وأهاليهم، فإنها تحوّلت إلى “كابوس” يُلاحق الناجحين قبل الخاسرين، ببساطة وبالمختصر المفيد، لأن البكالوريا لا تعني منصب عمل، وقبل ذلك لا تعني تخصصا يرغبه الناجح في كلّ الأحوال!
علينا جميعا: أساتذة ومدرسة وصحافة ومجتمعا وعائلة، أن نحارب اليأس والإحباط، ونقف إلى جانب المتعثرين، بنفس الطريقة والأهمية التي يهلّل لها الجميع ويصفق بالليل والنهار للفائزين، فالبكالوريا قد تكون حلما جميلا، لكنها البداية وليست النهاية، والنجاح فيها لا يعني “النجاة” من متاعب ومصائب هذه الحياة، مثلما لا يعني الإخفاق فيها الانتحار أو نهاية الكون!
علينا جميعا أن نؤازر كل المُخفقين ونشجّعهم، فمن كان بوسعه الإعادة ودخول المعركة السنة القادمة، فلله الحمد، وإن شاء الله يكون النصر، ومن جرّب حظه عدّة مرات، ولم يفلح، فإن البكالوريا ليست هي الباب الوحيد والأوحد للرزق والنجاح والفلاح في هذه الحياة الدنيا.
نعم، مليون مبروك للناجحين، لكن لا ينبغي أن نغرق في التهليل والتبجيل لهؤلاء.. بل علينا ومعنا المتحصلون على “الباك” أن يقفوا إلى جانب زملائهم وأصدقائهم المخفقين، فيساندونهم بالكلمة الطيبة ويتضامنون معهم بالتشجيع والتأييد، ظالمين أو مظلومين!
مهما كانت نسبة الناجحين والمتفوّقين، فإن نسبة المتعثرين والمنهزمين تبقى محلّ اهتمام، وإن كانت هذه هي الامتحانات والمسابقات والمنافسات، فيها رابح وخاسر، غالب ومغلوب، فيا أيها الرابحون لا تهزأوا من جهود وجهاد إخوانكم، فكثير منهم سهروا الليالي وتعبوا كثيرا خلال الموسم الدراسي، ومنهم من كان ضمن المتفوّقين، لكنه “المكتوب” والقضاء والقدر، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.
تبقى نشوة الانتصار في البكالوريا، أهم نشوة يتذوّقها ويتلذذ بها المترشحون والفائزون، فحتى وإن كانت لشهادات الليسانس والماجستير والدوكتوراه، طعم لا يُعوّض، إلاّ أن “الباك” هو ذلك الجسر المعلـّق الذي يضمن المرور الآمن والسليم لجنود العلم وطلبة البحث العلمي والتحصيل العلمي.
لا ينبغي أن نهتم فقط بالناجحين وفرحتهم، وإن كان من حقنا وحقهم أن نقيم ويُقيمون المآدب و”الزرد” والحفلات، لكن لا يجب أن ننسى أو نتناسى كبرياء المتعثرين، خاصة المضحّين منهم، فقد يخرج منهم إطارات وكفاءات، تشارك في البناء الوطني، بوسائل أخرى، غير تلك المُستعمل فيها آليات البكالوريا.
كم من متحصل على البكالوريا، مازال في مواجهة أخطبوط البطالة والتهميش منذ عدّة سنوات، وبالمقابل، كم من فاقد للبكالوريا نجح في إثبات نفسه وخلق وظيفة تحفظ كرامته، ولذلك لا يجب ربط النجاح بهذه الشهادة فقط وحصريا، لكن هذا لا يعني السباحة ضد التيار، ولا يعني تتفيه الناجحين ومساواتهم بالخاسرين، مثلما علينا أن لا نساوي بين الخاسر والفاشل!
نعم قد تخسر، لكنك لست فاشلا بالضرورة، لأن الخسارة عامل رياضي، قد يكون موجبا وقد يكون سلبيا، وبالمقابل، ليس من الحتمية، أن الناجح هو رابح، فقد تنجح اليوم وتخسر غدا.. مثلما قد تخسر اليوم وتربح غدا، فهذه سنة الله في خلقه.