الرأي

مع الخواطئ سهم صائبّ

هذا مثل عربيّ‮ ‬قاله هؤلاء القوم الذين‮ ‬يُسمّون‮ “‬العرب‮” ‬عندما كان أطفالهم رجالا،‮ ‬وعندما كانت الحكمة تجري‮ ‬على ألسنتهم رغم أميتهم،‮ ‬فلما‮ ‬غيروا ما بأنفسهم‮ ‬غير الله‮ – ‬عز وجل ـ‭ ‬ما بهم،‮ ‬فصاروا أذلة بعد عز،‮ ‬و”عڤاڤن‮” ‬بعد بيان،‮ ‬ويخافون من إسرائيل أكثر من خوفهم من عزرائيل‮.‬

ومعنى هذا المثل أن المتعود على الخطإ‮ – ‬شخص أو نظام‮ – ‬قد‮ ‬يُصيب مرة أو مرتين،‮ ‬فيكون ذلك كـ”بيضة الديك‮” ‬كما‮ ‬يقول العرب،‮ ‬رغم أن الديك لا‮ ‬يبيض أصلا‮.‬

لقد أوحى إليّ‮ ‬بهذه الكلمة ما كتبه الأخ سعد بوعقبة في‮ ‬عموده اليومي‮ ‬في‮ ‬جريدة الخبر ليوم السبت‮ (‬11‮ ‬‭/‬‮ ‬10‮ ‬‭/‬‮ ‬2014‮) ‬من أن الدكتور تيجاني‮ ‬هدام أجرى عملية جراحية ناجحة للحبيب ببورقيبة،‮ ‬فعلق هذا قائلا‮: “‬أنت لست هدّاما،‮ ‬أنت بنّاء‮”‬،‮ ‬ثم جاء‮ “‬الاحتقلال‮” ‬فُعيّن هدام وزيرا للصحة،‮ ‬وجعل الأخ بوعقبة ذلك دليلا على‮ »‬الثورة الجزائرية والدولة الجزائرية‮ “‬المستقلة‮” ‬كانت تعطي‮ ‬المسؤولية في‮ ‬الوزارات لأهل الاختصاص‮«.‬

ولكن الأخ بوعقبة لم‮ ‬يذكر أنه عندما كانت الجزائر في‮ ‬أمس الحاجة إلى‮ “‬فرملي‮” ‬عيّن هدام وزيرا للأوقاف،‮ ‬فأية علاقة بين الأوقاف وجراحة القلب؟ ولو عين الدكتور هدام منذ البداية وزيرا للصحة،‮ ‬أو مديرا لمستشفى مصطفى،‮ ‬أو عميدا لكلية الطب لكان أصوب،‮ ‬ولكان في‮ ‬عمله‮ -‬إن أخلص‮- ‬أنجح‮.‬

وإن التمسنا الأعذار لتعيين الدكتور هدام وزيرا للأوقاف في‮ ‬بداية‮ “‬الاحتقلال”؛ فبماذا نبرّر تعيينه في‮ ‬سنة‮ ‬1989‮ ‬مسؤولا عن مسجد باريس خلفا للشيخ العباس،‮ ‬فهل سيحاور هدام كاردينال فرنسا وحاخامها بـ”الطب”؟

وأكبر من تعيين الدكتور هدام مسؤولا عن مسجد باريس تعيين خلفه الحالي‮ ‬في‮ ‬المنصب نفسه،‮ ‬وهو لا‮ ‬يعرف من الإسلام إلا اسمه،‮ ‬وما تعرف بعض العجائز عندما سمعن أم كلثوم تغني‮ “‬ومن الشوق رسول بيننا‮…” ‬فعقّبن قائلات‮: “‬صلى الله عليه وسلم‮”‬،‮ ‬ظنا منهن أن كلمة‮ “‬رسول‮” ‬تعني‮ ‬رسول الله‮ -‬عليه الصلاة والسلام‮- ‬

ومما أذكره‮ -‬عن الدكتور هدام‮- ‬رحمه الله‮- ‬أنني‮ ‬التقيت الشيخ محمد الغزالي‮ ‬فسألني‮ ‬عمق خلف الشيخ العباس في‮ ‬مسجد باريس‮ -‬وقد زاره في‮ ‬منتصف الثمانينيات‮- ‬فقلت له‮: ‬انه الدكتور التيجاني‮ ‬هدام‮. ‬صمت الشيخ برهة ثم قال‮: “‬نرجو أن لا‮ ‬يكون له من اسمه نصيب‮”‬،‮ ‬وتبسمنا‮. ‬والذي‮ ‬علمناه وسمعناه أن الدكتور هداما لم‮ ‬يوفق لا في‮ ‬وزارة الأوقاف التي‮ ‬تولاها بعد الشيخ أحمد توفيق المدني،‮ ‬ولا في‮ ‬مسجد باريس بعد الشيخ العباس كما وفق في‮ ‬إجراء عملية لبورقيبة‮.‬

لا‮ ‬يظن القارئ أن هذا النوع من التعيينات الخاطئة قد انتهى في‮ ‬جزائرنا؛ بل مايزال مستمرا إلى أن‮ ‬يأتي‮ ‬الله بمن آتاهم رشدا،‮ ‬ولهذا تتدهور أوضاعنا من سيء إلى أسوأ،‮ ‬مع ملاحظة أن إطاراتنا التي‮ “‬نصدرها‮” ‬إلى الخارج تنجح في‮ ‬الأماكن التي‮ ‬تذهب إليها،‮ ‬لأنها توضع فيما هو من صلب اختصاصاتها،‮ ‬لا لموالاتها،‮ ‬وجهتها كما هو الشأن عندنا‮.‬

إن العيب الأكبر‮ -‬في‮ ‬نظري‮- ‬ليس فيمن‮ ‬يعين في‮ ‬هذا المنصب أو ذاك؛ إنما العيب‮ -‬كل العيب‮- ‬فيمن‮ ‬يقبل منصبا ليس له به علم ولا تجربة‮.‬

وأختم هذه الكلمة بما قاله الشيخ الزاهري‮ ‬غفر الله له،‮ ‬وهو‮:‬

ويل للجزائر من بنيها إنهم‮   ‬

‮       ‬كانوا لمحنتها من الأسباب

وبما قاله إمام الجزائر وحكيمها،‮ ‬الإمام الإبراهيمي‮ ‬وهو‮: “‬أشقى الأمم أمة تغلط في‮ ‬موازين الرجال‮”. (‬البصائر‮. ‬ع‮ ‬86،‮ ‬في‮ ‬11‮ ‬‭/‬‮ ‬7‮ ‬‭/‬‮ ‬1949‮ ‬ص2‮).‬

مقالات ذات صلة