مغالطات المخزن في الترويج لانتصارات “الحكم الذاتي”!
صادق مجلس الأمن الدولي، الجمعة الماضي، على القرار رقم 2797 (2025)، والمتعلق بقضية الصحراء الغربية، حيث صوت 11 عضوا على النسخة الأمريكية الجديدة وامتناع 3 دول (روسيا والصين وباكستان) وعدم مشاركة الجزائر، ويكون، بذلك، مجلس الأمن قد حاول وضع ورقة طريق جديدة ومقاربة متوازنة، بين المعطيات السياسية والشرعية الدولية، لتحديد المسار المستقبلي لهذا الملف.
إلا ان هذا القرار، يعمق جوهر الخلاف بين طرفي النزاع، لأنه يواصل، من جهة، اعتبار “مخطط الحكم الذاتي” المغربي كحل “أكثر جدوى لإنهاء الصراع”، ومن جهة أخرى، يشدد على أن الحل النهائي يجب أن يكون “مقبولاً لدى الطرفين”، ويضمن لـ”شعب الصحراء الغربية تقرير مصيره”، وهي مرجعية قانونية دولية تتمسك بها جبهة البوليساريو، بالإضافة إلى تحديد عهدة المينورسو لسنة كاملة، هذا التناقض يعتبر جوهر مصير القضية، بما أنه لا يمكن لأي طرف التنازل عن أي مبدأ او فرض مبدأ من دون موافقة الطرف الآخر.
تحول حقيقي أم استنساخ دوري لقرارات مماثلة؟
بعيدا عن الاعلانات الرسمية المرحبة بالقرار والتي اعتبرته انتصارا لمقاربتها، اسئلة جوهرية تفرض نفسها حول مضمون هذه اللائحة مقارنة بسابقاتها.. هل يمثل القرار الجديد تحولاً حقيقياً، أم مجرد استنساخ دوري لقرارات مماثلة مع تعديلات لغوية وسياسية؟
القرارات الأممية الصادرة في السنوات الأخيرة (مثل 2756 لعام 2024 و2703 لعام 2023)، كانت أشارت كلها إلى المقترح المغربي كـ”مرجعية أولى” لأي عملية تفاوض، كما حافظت العديد من القرارات الأممية على “مسافة الأمان” من وجهة النظر القانونية، بتأكيدها على ضرورة التوصل إلى حل “مقبول للطرفين”، يضمن حق “تقرير المصير”.
هذا القرار، لا يقترح تغيرا جذريا لمعالم الحل، بل يؤكد أن وضعية الجمود قد تطول أكثر بما أنه يحث طرفي النزاع على التعامل بجدية مع الحلول السياسية والقانونية المتاحة على الطاولة.
كما أن إبقاء القضية الصحراوية تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة (التصفية السلمية للنزاعات)، يعني أن مصيرها مرهون بالعمل السياسي والدبلوماسي وغير متعلق بقرار إلزامي من مجلس الأمن، وهذا الإطار يطيل عمر المفاوضات ويجعل الحل معقداً، بعبارة أخرى الفصل السادس يجبر الأطراف على التفاوض للوصول إلى حل “مقبول للطرفين”، وهذا يمنح الاحتلال المغربي وجبهة البوليساريو الحق في رفض أي حل لا يرضيهما، مما يجعل استمرار الجمود قائما في غياب “الحل التوافقي”.
ببساطة، الفصل السادس يرفض الحل المفروض بالقوة الدولية، سواء تعلق الأمر بالحكم الذاتي أو الاستفتاء أو الاستقلال، بل يجب أن يكون الحل نتاج مفاوضات وقبول من الطرفين، كما يحث على استمرار الوساطة الأممية لتسهيل الحوار، وأن القرارات الصادرة غير إلزامية لفرض أي حل، لأن الاخير يبقى مرهوناً بـ التوافق و”القبول المتبادل” بين الاحتلال المغربي وجبهة البوليساريو، وعكس ذلك، لو سُجل الملف تحت الفصل السابع (الأعمال الواجب اتخاذها في حالات تهديد السلم)، حينها يحق لمجلس الأمن اتخاذ قرارات ملزمة بموجب القانون الدولي.
سفير صحراوي: المغرب فشل في الحصول على هدية ترامب
فيما يخص القراءة التقنية والقانونية، لهذه اللائحة، صرح السفير أبي بشرايا البشير، ممثل جبهة البوليساريو بسويسرا ولدى الأمم المتحدة، في تصريح خاص لـ”الشروق” اليومي، أن القرار تحرك خطوة للمقترح المغربي، لكن من دون جعله “القاعدة الوحيدة” للحل، قائلا: “الإشارة إلى أنه “من الممكن” أي “ليس بالضرورة” ان يقود إلى حل. وبالتالي “فإن المغرب فشل في الحصول على الهدية المنتظرة زمن ولاية ترامب، وهي تحديد مجال التفاوض وصيغة الحل بشكل حصري ومطلق في مقترحه”.
الإشارة إلى التفتح على مقترحات أخرى، يقول الدبلوماسي الصحراوي، تفتح المجال أمام الوسطاء الأمميين لوضع مقترحي الطرفين، بشكل أو بآخر على الطاولة، لكن الأهم، من الناحية القانونية، كضمانة استراتيجية أمام المنزلق غير القابل للتدارك هو “التأكيد على أن الحق في تقرير المصير وفق مبادئ وميثاق الأمم المتحدة يبقى هو الهدف النهائي للعملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة”. التأكيد على الحل التوافقي بين طرفي النزاع، يجعل صوت الشعب الصحراوي، يضيف ذات المتحدث، عن طريق ممثله الشرعي والوحيد، صوتا معطلا لكل مسعى للالتفاف على حقه.
” وعليه فإنه، وبالرغم من تنديدنا الشديد بالمساعي المحمومة التي رافقت مسار المصادقة والهادفة إلى إقبار حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، وأسفنا بانحياز المجلس للمقاربة المغربية، إلا ان القراءة المتأنية للقرار قانونيا وسياسيا، تجعلك تستغرب أيما استغراب هذه الاحتفالات العارمة التي شهدتها مدن المغرب على وقع خطاب ملك المغرب للتعبير عن الفرحة بانتصار غير موجود، أو غير موجود بالشكل الذي تحاول الدعاية المغربية تصويره. انتصار يحمل اكثر من الوهم عن الحقيقة”.
أما فيما يتعلق بالموقع القانوني للقضية الصحراوية، يقول أبي بشرايا، ان الموقف مازال قويا ومحصنا، مستندا بمصادقة اللجنة الرابعة للأمم المتحدة على توصية مهمة تتعلم بتصفية الاستعمار، “قبل أسابيع فقط من صدور هذا القرار، كانت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قد صادقت على توصية تاريخيّة في دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال. وهو نفس الموقف الذي تعبر عنه مختلف المنظمات الدولية الكبرى، على غرار الاتحاد الإفريقي ودول عدم الانحياز وكذا المحاكم الدولية المرموقة… قول السفير الصحراوي، مضيفا بأن القاعدة القانونية للنزاع، تتأسس على ثلاثة عناصر رئيسة، الصحراء الغربية اقليم غير مستقل ذاتيّا، بصدد عملية تصفية استعمار غير مكتملة وهو اقليم منفصل ومتمايز عن المملكة المغربية التي لا تمتلك اي سيادة عليه، ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير هي جوهر تصفية الاستعمار، والشعب هو من يمتلك الحق الحصري في تحديد الوضع النهائي للإقليم، جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب. ذلك البناء قوي، ويتقوى يوما بعد يوم وهو السياق القانوني والتاريخي للنزاع ولكل الجهود الرامية إلى تسويته بشكل عادل. وأعتقد ان قوة ذلك البناء القانوني، هو ما أجبر إدارة ترامب، حامل القلم، على التراجع عن الكثير من النقاط الواردة في المسودة الأولى.
السيناريوهات المستقبلية في إطار قرار مجلس الأمن
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية المحتملة للقضية الصحراوية في إطار قرار مجلس الأمن، يقول نفس المصدر بأن التأكيد على أهمية دور الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي في المسار التفاوضي، من شأنه منع القوى الأخرى التي “تريد اختطاف الملف” والإسراع، من خلالها، بدفع “الثمن المؤجل” لتطبيع المغرب مع إسرائيل و”لعبه دورا رياديا في اتفاقيات آبراهام وما تلا ذلك من أدوار لاحقة”، يقول أبي بشرايا، مضيفا “أعتقد أن الأمين العام ومبعوثه الشخصي مطالبان، قبل الدعوة لمفاوضات مباشرة محتملة، بالتخلص من التسميم الذي تركه مسار المصادقة على القرار الأخير، وتدبير المسار بناء على هو منسجم مع مأمورية الأمم المتحدة وميثاقها وتقاليدها في تصفية الاستعمار.
فيما يتعلق بجبهة البوليساريو، “فمن الناحية المبدئية السيناريو القائم أمامنا، بالأمس واليوم وغدا هو مواصلة المقاومة الوطنية في مختلف الجبهات لتحقيق هدفنا الوطني في الحرية والاستقلال”.
على ضوء هذه المعطيات، سيواجه الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص ميستورا، إشكالية أكثر تعقيدا، حيث يتناقض ويتنافى الجانب القانوني مع الواقع السياسي، وهو ما من شأنه أن يدخل القضية في نفق مظلم لسنوات أخرى.