-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مقالات الوسطيين.. هل هي أزمة دولة أم تنازع قيم؟

الشروق أونلاين
  • 672
  • 0
مقالات الوسطيين.. هل هي أزمة دولة أم تنازع قيم؟

معروف عن الشعب الجزائري أنه ذو طبيعة متحركة؛ لا يقبل الظلم ولا يركن إلى الاستبداد. وكل من يحاول تطويعه أو تركيعه أو الاستخفاف بمقدراته أو الاستخفاف بعقله الجمعي.. يعطيه فرصة ليراجع نفسه ويصلح حاله ويتصالح مع شعبه.. فإذا تمادى في غيِّه صفى حساب قرن في سنة، ورد الصاع صاعين، وعاقب بعنف كما أحب بعنف، ولكنه في الحالتين مسامح كريم.

مشكلة كثير ممن حكموا هذا الشعب حكموه بعقلية “غير جزائرية” وساسوه بمنهج ليس نابعا من خصائصه وثقافته وعمقه التاريخي الذي واجه موجات الاحتلال من العصر الحجري إلى العهد الروماني.. وواجه حملات الغزو العسكري والثقافي والاثني والعصبي والعرقي والاستعماري.. من زمن الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر إلى الاحتلال الفرنسي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وفي كل هذه المحطات سجل التاريخ عن هذا الشعب ثلاثة ثوابت:

أنه يقدّر قيمة الحرية ويرفع لها أعلى راية.

أنه يبحث عن المعادن الراقية للرجال، فيبايعهم على حماية الشرف وصيانة البيضة وحراسة الثغور.. ولا يدير ظهره للعدو إذا حمي الوطيس وتطايرت الرؤوس.

وأنه يعرف كيف يضحي بالدم وكيف ينتزع حريته بيد مضرجة من نجيع الشهادة.

وقد تكررت هذه الحقائق الثلاث في تاريخه كله، وأثبت كل مرة أنه أقوى من حكامه، وأوفى من نُخبه، وأبعد نظرا من أحزابه ومؤسساته المجتمعية. وأنه هو من يحرر الطاقات المعطلة ويشيع الحرية في نفوس اليائسين. وأنه هو من يأخذ زمام المبادرة ويسدد فاتورة أخطاء الزعماء.. ولنا في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر أبدع الأمثلة وأصدق الدروس التي نحتاج اليوم إلى أربعة منها لنتجاوز حالة التيهان والخوض عن “مشروع مجتمع” بين ركامات من الأفكار والاقتراحات والمبادرات التي يرى أصحابها أنها الأولى بالتجسيد في عالم ما بعد حراك 22 فبراير 2019، تماما كما طرحت هذه المشاريع بعد ثورة “الربيع الأمازيغي” في أبريل 1980 وبعد أحداث 05 أكتوبر 1988، ثم بعد مصادرة المسار الانتخابي في 11 يناير 1992. ولكن التاريخ أثبت أن المشروع الوحيد الذي حفظ وحدة الشعب وسلامة الوطن هو المشروع النوفمبري (الذي كان غطاءً لحكم الجزائر 57 سنة باسم شرعية ثورية مظلومة)، فالعيب لم يكن في المشروع وإنما في الذين حكموا باسمه وانحرفوا عنه إلى الجهوية والشللية والمحسوبية والبطانة.. فكانوا هم “الأقلية النافذة” والمجتمع المفيد. وهمّشوا الأغلبية الرافضة التي لم يجمع شتاتَها مشروعُ مجتمع، ولا جهة ولا لغة ولا إيديولوجيا.. إنما جمع شتاتها عاملان:

كره النظام الذي دأب على تجديد ثوبه.

واستشراء الفساد حتى صار “رياضة وطنية”.

اليوم نحن أمام لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الجزائر، فإذا كررنا أخطاء الماضي جاءت النتائج مطابقة للمقدمات، فإذا كررنا الأساليب التقليدية في إدارة الأزمة وأدرنا المعركة في ساحة اللون والعرق والجنس والجهة ورفاق الأمس.. أهدرنا الفرصة الخامسة التي لن تتكرر إلا بعد جيل كامل.

البداية الصحيحة هي تجاوز النقاش الإيديولوجي الحاد حول مشروع مجتمع إلى حوار هادئ حول “مشروع أمة”، لأن مجتمعنا متنوع الثقافات ولكن مبادئه الكبرى واحدة، وهي إسمنته المسلح ومرجعياته المشتركة التي إذا تنازعت مكوناته حولها صار الوطن نفسه مهددا بالتقسيم الإثني والعرقي واللغوي.. ونندم على ضياع “الدولة الوطنية” قبل تجسيد مشروع دولة الحق والقانون، لأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وهناك جهاتٌ كثيرة لها أطماع مختلفة في الجزائر، منها الظاهر والخفي، وهي مسألة لا تحتاج إلى دليل، وتقسيم الجزائر قرَّة عين أنظمة كثيرة في العالم كله.

ما هو الحل؟

جميع من في الحراك متيقنٌ بأن الحل بيد الشعب، وأن الطريق الإجباري للخروج من الأزمة يكمن في تفعيل المواد الدستورية من 07 إلى 12 لتجسيد سلطة الشعب. وهي إحالة على فلسفة الحكم وليست على أدوات إجرائية وآليات تنفيذية تُخرجنا من تصوُّر إعادة بناء الدولة إلى كيفية وضع أسسها الأولى: الدستور، القانون، الرئيس، المؤسسات. ليكون الشعب سيد نفسه، يضع دستوره ويسنّ قوانينه وينتخب رئيسه ويعيد بناء مؤسساته المنتخَبة وفق مقاربة جديدة. لكن هذا الحل ليس متاحا في الوقت الحالي، وقد يفرض مرحلة انتقالية طويلة لا يكون الخروج منها مضمونا ولو بأخف الأضرار، فلا مناص – والوقت ضاغط – سوى الذهاب بشجاعة إلى الحل الثاني بأربع خطوات متوازنة وعاقلة:

استثناء الدفاع والخارجية من الصراع القائم حول تغيير النظام والتأسيس لجزائر جديدة كونهما مؤسستين حيويتين لضمان الأمن والوحدة والسيادة وهيبة الدولة والاستمرارية في الارتباط بالعالم الخارجي ومنع التدخل والتدويل..

فتح حوار مباشر مع المؤسسة العسكرية حول الحل الشعبي في إطار روح الدستور.

التوافق على مرحلة انتقالية قصيرة يتم خلالها انتخابُ رئيس جمهورية كأولوية سياسية عاجلة.

وضع إعلان دستوري مكمِّل له غاية واحدة هي تنظيم المرحلة الانتقالية القصيرة المتفق عليها.

أتوقع أن يقول البعض: باسم من تتحدث؟

والجواب الطبيعي هو أن المواطنة تتيح لكل جزائري أن يفكر بصوت عال ويدلي بدلوه في كل قضية وطنية يدعوه الواجب إلى ضرورة المساهمة بفكره ورأيه لحلحلة وضعيةٍ يدرك أن السكوت عنها رغَبا أو رهبا سوف تكون لها تداعياتٌ وخيمة لا تصيب الذين ظلموا خاصّة؛ فالفتنة عمياء ولا تفرِّق بين صالح وطالح ولا بين فرد ينتمي للعصابة وآخر في الحراك. والرحمة إذا تنزَّلت يستظلُّ بظلها الجميع، ثم يأتي دور العدالة ليغربل –بعدل وشفافية– بين من في بطنه تبنٌ كثير ومن يتحدث السفهاءُ عن شبهة فساده ليغطوا به جرائم لو مُزجت بماء البحر لتعفن من شدة ما يأفكون.

خلاصة القول: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجَرة، فالبواكي على الوطن كثيرون، ولكن المكتوين بنار ما يحدث فيه قليل. ويوم تنجلي عواصف الحراك ويتحسَّس الخيِّرون طريق السلامة سوف نجد كثيرين هم الذين ألقوا بأخيهم في غيّابة الجب وجاؤوا أباهم عشاء يبكون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!