-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من حلم "ابني متفوق دراسياً" إلى حلم "ابني نجم الكرة"

ملحمة البرازيل تزلزل مفاهيم الأولياء حول مستقبل الأبناء

الشروق أونلاين
  • 7770
  • 13
ملحمة البرازيل تزلزل مفاهيم الأولياء حول مستقبل الأبناء
الأرشيف

دخلنا الآن في شهر أوت، ومع ذلك ما زال الناس جميعا يتحدثون عن التأهل التاريخي الذي حققه المنتخب الجزائري في مونديال البرازيل للدور الثاني، لا أحد يعرف أسماء تشكيلة حكومة سلال الحالية، ولكنهم يحفظون عن ظهر قلب، أسماء رفقاء فغولي بل ويحفظون كل حركة قاموا بها في المباريات الأربع التي لعبوها في البرازيل، وهناك من يقضي إلى حد الآن الساعات في إعادة مشاهدة مباراة ألمانيا أو كوريا الجنوبية، ويمكن التوجه إلى أي ملعب جواري أو أرضيات الماتيكو لنرى الأطفال يدحرجون الكرة تحت درجة حرارة تفوق الأربعين على شغف الكرة الذي يعتصر الأطفال وحتى أوليائهم.

 في أواخر الثمانينيات وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي، عندما التهبت الأزمة الأمنية وخاصة الاجتماعية في الجزائر بسبب تدهور سعر المحروقات صار الجزائريون يتداولون من باب التنكيت على واقعنا المعاشي المقولة الشهيرة: “إذا أردت أن تنجح في حياتك في الجزائر فعليك أن تختار إما أن تكون تاجرا أو مهاجر أو تفعل مثل ماجر”.. وكانت التجارة أو ما يسمى بـ”الطرابندو” ظاهرة أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بعد أن بدأت مختلف المؤسسات العمومية في تسريح عمالها، فبحث الشباب عن الحلول الفردية في ممارسة التجارة، وكانت الهجرة أيضا واحدة من الحلول المقترحة على مشارف قانون التأشيرة الذي بدأت بعض الدول في تطبيقه، وإفرازات “البيريسترويكا” التي جعلت دول الغرب أمام خيارات أهمّ، وهي استقبال المهاجرين من دول شرق أوربا التي هاجر شبابها بالآلاف نحو الدول الرأسمالية.. وبقي أمامهم خيار النجومية الذي حققه النجم العالمي رابح ماجر عندما أحرز في ربيع 1987 كأس أوربا للأندية البطلة وكان نجم اللقاء النهائي من دون منازع، كما أحرز كأس مابين القارات في طوكيو وأنهى مشواره بتتويج إفريقي بلقب الأمم كقائد للتشكيلة..  

ويبدو أن من الخيارات الثلاثة بالنسبة للجزائريين الذين عاشوا الأزمة لم يبق الآن منها سوى الخيار الأخير وهو أن تصبح نجم كرة خاصة بعد تأهل المنتخب الجزائري إلى الدور الثاني من كأس العالم بالبرازيل وشغف عامة الناس بعالم الكرة وبنجوم الكرة من ميسي إلى رونالدو.. ورغم يقين جميع الأولياء بأن رحلة النجومية العالمية لا تمرّ سوى عبر أوربا والدليل على ذلك أن كل لاعبي الخضر هم من المغتربين الذين وُلدوا في فرنسا أو الذين اختاروا الهجرة مثل سليماني وحليش وسوداني وبلكالام وجابو إلا أن الكثير من الأولياء متشبثون بأمل أن يصبح أحد أبنائهم نجم كرة ينال بفضلها الشهرة والجاه وتنال معه عائلته الكثير أيضا، بدليل أن عائلات اللاعبين وفرت لهم الجزائر رحلة البرازيل والكثير من البحبوحة عكس بقية المشجعين الجزائريين الذين دفعوا من مالهم ومن جهدهم وصحتهم وأعصابهم، وكان حصول عبد المؤمن جابو على سيارة بورش من رجل أعمال، نظير هدف سجله في مرمى ألمانيا أهم بالنسبة للجزائريين، من أي جائزة نوبل قد يحصل عليها أي عالم جزائر، لو حدث ذلك طبعا؟  

 

تهافت على مدارس الكرة

على عكس السنوات الماضية، باشر الكثير من الأولياء بمحض إرادتهم ومن دون ضغط الأبناء بالبحث عن نجاح فلذات أكبادهم في عالم الكرة، كثير منهم لهم نظرة أنانية للأمور فنجاح الابن كنجم وطني أو عالمي يرفع قيمة العائلة ككل، والملفت للانتباه أن والد لاعب الكرة أو شقيقه عندنا نراه أحيانا ضيفا على الصحف أكثر من اللاعب نفسه وأحيانا يلعب الأشقاء دور المناجير أو الجسر الرابط بين النجم والصحافة وبين النجم ومعجبيه كما هو حاصل بقوة مع نجوم المنتخب الوطني الحالي حيث يعرف كل الجزائريين والد إسلام سليماني أو سوداني كما يعرفون ابنيهما، وربما قرأوا وشاهدوا له من الحوارات أكثر من ابنه.. والناس ملمّون بالسيرة الذاتية وعدد الأفراد في عائلة كل لاعب وأحيانا بأسمائهم وميولهم في الحياة.

وهذه الظاهرة ليست حكرا على الجزائر، فقد فتح مارادونا أبواب الثراء على عائلته منذ أن أصبح نجم كرة كبير فأخرج عائلته من الأكواخ القصديرية ببيونس آيرس وصاروا يعيشون في أوربا وفي القصور، وأخرج ميسي ورونالدو أهاليهما من ظلمات الفقر إلى عالم الثراء وصارت والدة رونالدو واحدة من نجوم البرتغال وإسبانيا. والأولياء يدركون أن نجاح ابنهم في عالم الكرة سيجعلهم يقطفون بعض الثمار لصالحهم ولذرية الابن أيضا لأن نجوم الكرة أحيانا خاصة في عالم الاحتراف يتهربون من الضرائب باستثمار أموالهم بأسماء وبقيادة أوليائهم وأشقائهم.

وما زاد في سيطرة هذا الاتجاه على المشهد الاجتماعي عندنا أن البطالة فعلت الأفاعيل في المجتمع ولم يسلم منها أصحاب الشهادات العليا المتفوقين في دراستهم في كل الأطوار، فالأم التي كانت تحلم بأن يصبح ابنها طبيبا أو مهندسا حققت الأمل فنال ابنها الشهادة ونال معها الخيبة بالبقاء من دون عمل، وإذا حقق العمل لم يسلم من أنياب الفقر ونلاحظ جميعا كيف يدخل الأطباء والمهندسون في إضرابات من أجل المطالبة بتحسين حالتهم المادية والاجتماعية ولم نسمع أبدا عن إضراب شنه نجوم الكرة لتحسين وضعيتهم الاجتماعية وهم الأثرياء الذين تفوق مرتباتهم الشهرية ما يحصل عليه أي طبيب مشهور خلال عام كامل، وحتى الوقفة الاحتجاجية التي شنها اللاعبون في الجزائر في ماي 2014 كانت لأجل عدم تسقيف أجورهم التي قاربت ثلث مليار سنتيم شهريا، وما حصل عليه لاعبو الخضر بعد التأهل للدور الثاني من المونديال يفوق ما يجمعه أي طبيب خلال العمر كله.

يكفي القول إن الأطباء الجزائريين يشنون باستمرار الإضرابات التي  تشل قطاع الصحة في الجزائر وذاك لا ينال من اهتمام الصحافة جزءا مما تناله أي صفقة انتقال لاعب كما هو الشأن لبراهيمي إلى بورتو.. بل أن الأطباء وهم معتصمون أمام المستشفيات تجدهم يتحدثون عن نجوم الكرة أكثر مما يتحدثون عن حالتهم البائسة ومطالبهم المسافرة في الهواء.. وحتى في عالم الهجرة يحدث ذات الشغف لدى مغتربينا بعد أن نجح فغولي وبن طالب وغيرهما في إخراج أهاليهم من دائرة العنصرية والفقر في فرنسا.

 

براهيمي أشهر من أي وزير جزائري

منذ التأهل التاريخي للدور الثاني في البرازيل تغيرت أحوال المجتمع الجزائري بشكل لافت وصارت الكرة من اهتمامات الجميع بما في ذلك الأمهات.. لكن الآباء صاروا يفكرون بطريقة مغايرة “ماذا لو يصبح ابني مثل ياسين براهيمي؟” .. سؤال نقلناه إلى بعض القائمين على شؤون الكرة عندنا خاصة المشرفين على مدارس الكرة التي عودتنا على أن تمنحنا نجوما ومشاهير ومنها جمعية وهران التي أنجبت مدرستها ومازالت خيرة لاعبي البطولة الجزائرية وبعضهم نجح في عالم الاحتراف في زمن سابق مثل عبد الحفيظ تاسفاووت، أو جمعية الشلف التي أنجبت سوداني أو وفاق سطيف التي أنجبت جابو، وسألناهم عن شغف الأولياء بمدرسة كرة القدم منذ تأهل الخضر التاريخي، فاعترفوا بارتفاع الطلب ووصفوا ما يحدث هذه الأيام بالضغط الكبير المفروض على أنديتهم من قبل الأولياء الذين يستفسرون عن كيفية إدخال أبنائهم الكتاكيت عالم الكرة ووصفوا ما يحدث من تهافت الأولياء على مدارس الكرة بالبديل الذي رآه الأولياء لأبنائهم، فهم يؤمنون أن الكرة بإمكانها أن تمنح الابن ما عجز عن تحقيقه في مجالات أخرى وارتفعت نسبة الطلبات أكثر من 1000 بالمئة مقارنة بالسنوات الماضية.. والجزائري عاشق للكرة بطبعه والناس يبحثون عن مدارس الكرة الشهيرة لكن مع تألق المنتخب الوطني اشتعل الطلب وهناك من يفرض على ابنه ممارسة الكرة حتى وإن كان لا يمتلك الموهبة والميول.. وكان في زمن سابق الولي يبعد ابنه عن الكرة حتى لا تشغله عن دراسته والآن صار هو من يفرض عليه الكرة حتى وإن ضحى بدراسته.. ولا أحد الآن يسأل عن المستوى الدراسي لفغولي وبراهيمي وجابو، وإنما يسألون عن الأندية التي طلبتهم للعب معها وكم يتقاضون نظير هذه الانتدابات.

صناعة نجم كرة ممكنة لكن عليه أن يمر عبر مدارس الكرة التي تطبق النظريات العلمية الحديثة، من صنف الهواة إلى صنف الاحتراف ومدرسة جمعية وهران مثلا بها نحو 500 طفل وتمكنت من تزويد المنتخب الوطني لمختلف الأصناف بعدد من المواهب ولكنها لا تضاهي أبدا ما يأتي من أي مدرسة بفرنسا من حيث النوعية وحتى العدد.

لا وجود لإحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال الوافدين على عالم الكرة لأول مرة، لكن الاقتراب من مختلف الأندية اشتعل في المدة الأخيرة، ويوحي بارتفاع رقم ممارسي الكرة خمسة أضعاف على الأقل، على أمل أن لا يكون رؤساء الأندية والمشرفون على مدارس الكرة عندنا مثل المديرين التنفيذيين الذين لا يمنحون المكان العلمي والعملي المناسب للإطار المناسب، فيكون هذا الشغف مثل ممارسة التجارة عندنا على طريقة الطرابندو.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • شدالريح واترك الصحيح

    عاااااااااااجل = لقد تخدر شباب الجزائر ...واصبح يتبع في الرييييييح وترك الصحييييح وانقلبت الموازين و تخلو عن القيم الحقيقية للنجاح في الحياة كطلب العلم و التعلم والعمل و....وكل هذا سينعكس سلبا على مستقبل ابناء الجزائر ....من لم يوفق في دراسته ماذا سيفعل بكأس يتوج به فريقه ...الرياضة وسيلة ترفية ليست غاية لكل الشبان والشابات لباء مستقبلهم ...فالنجاح الدراسي اولى ....

  • بدون اسم

    انا تمنيت لو يكون ابني لاعب كرة مشهور ..ويحرر فلسطين بالكورة المستديرة ويطور الصناعة وخاصة المستقبل لان النفط سيزول..قلت يطور في الطاقة الشمسية بتسجيل رباعية ويكرم كالابطال ونصفق عليه ونقول له انت مفخرة الجزائر والعرب والاسلام ومفخرة الكرة الارضية..وننتهي بالكرة الارضية.

  • كمال

    علموا اولادكم السباحة و الرماية و ركوب الخيل

  • مجيد

    تمنيت لو ان صاحب المقال قال بان الاموال العمومية تمنح الى اللاعبين بدون حساب وهذا فساد
    السلطات العمومية تقدم دعم مالي للفرق الرباضية من الخزينة العمومية من اجل دفع اجور اللاعبين الخيالية الهدف الهاء الشباب فقظ
    السلطات العمومية تقدم دعما للفلاحين مجانا من الخزينة العموميةبينما في الدول الاوروبية الدولة تقدم الدعم واثناء بداية الانتاج الفلاح يعيد اموال الدولة
    العلم خير من الرياضة مهما كانت الامور والظروف
    العلم خير من الرياضة لان صاحب العلم يفيد المجتمع ام الرياضة (كرة القدم) فهي تفسد الشباب

  • بن الطالب

    يا أولياء إهتموا بتربية اولادكم على الأخلاق الحسنة و الرزق على رب العالمين

  • somebody

    أنا كمواطن بسيط أتمنى أن يصبح أولادي علماء و ليس نجوم كرة قدم

  • جعفر

    هذه نتيجه حتميه لما قام به الاعلام في تضخيم امور تافهه كهذه وذالك خدمة للنظام القائم للتغطية على المشاكل الكثيرة التى يعانى منها المواطن ومشكلة غردايه ابسط مثال على ذالك.

  • عبد العزيز

    كم هو تافه التطرق إلى هذه الأفكار تفاهة المؤمنين بها ضعاف النفوس تبقى كرة القدم مجرد لعبة لذلك يمكن الجمع بين تحصيل العلم و إتقانها لكي يخرج الفرد من حيونته و يصبح إنسانا سويا .

  • بدون اسم

    مازلنا مع الأسطوانة التأهل التاريخي الذي حققه المنتخب الجزائري في مونديال لبرازيل لدور الثاني واش رايحين جيبو بينا 32 سنة وحدة خرة على حساب الشوفة.

  • كريمو

    هذي صح. و الله القراية ما تنفع كيما ينفع البالو. جاه، مال، شهرة و صحة. واسؤ الامور ان تكون مهندساً. تقرى حياتك كلها بش تخدم عند واحد عمرو ما قرى. طابلة دخان دخّل خير من خدمة مهندس. بلاد الخُزّ و الهفّ

  • سليم

    كون ربحنا كوريا في العلم و التقدم الاخلاقي و العلمي نقولو بالاك و نفرحو ولكن ربحناها بكرعين المعيز

  • NouissyMiloud

    Algeria normal normal tehya bled

  • كاره

    الحلم ببلاش
    الطماع يموت مشنوق ياو فيقوا