الرأي

منظومة الحكم‮.. ‬ثمن الاستعجال وقيمة الاستباق

محمد سليم قلالة
  • 2203
  • 0

نعيش اليوم إشارات حاملة للمستقبل تكاد تنطق بنفسها وتطلب التعامل معها قبل أن تستفحل في‮ ‬كافة القطاعات،‮ ‬من منظومة القيم إلى الأسرة إلى التعليم إلى الأسرة إلى الشباب إلى العمل إلى الصحة إلى الطاقة إلى الأمن الغذائي‮ ‬إلى الإرهاب إلى مستقبل الإقليم الوطني‮.‬

إلا أن أهم قطاع به،‮ ‬ومن خلاله تتأثر كافة القطاعات،‮ ‬بإمكانه أن‮ ‬يقلبها جميعا رأسا على عقب أو‮ ‬يصححها جميعا ويضعها على الطريق الصحيح هو منظومة الحكم‮. ‬لا‮ ‬يمكن لأي‮ ‬مستشرف أن‮ ‬يضع تصورات وحلولاً‮ ‬مستقبلية لأي‮ ‬مشكلة من المشكلات القادمة ويمنعها من أن تتحول إلى مشكلة ضاغطة إذا لم‮ ‬يكن‮ ‬يشتغل ضمن منظومة حكم واضحة المعالم،‮ ‬ذات أداء وظيفي‮ ‬محدد‮.‬

يستحيل أن نستبق مشكلات من أي‮ ‬نوع كان إذا لم تكن عملية الاستباق تجري‮ ‬ضمن منظومة حكم واضحة الأداء السياسي،‮ ‬ذلك أن كل تصور للحل‮ ‬يُطرح على المدى البعيد سيكون بلا معنى إذا لم‮ ‬يتم ضمن منظومة حكم متماسكة تعمل بمنهجية واضحة وغير معرضة للهزات أو الاضطرابات الآنية فما بالك بالتغييرات المرتبطة بنزوات الأشخاص وصراعات الزمر‮. ‬مثل هذه الحال هي‮ ‬النقيض التام للاستشراف بما فيه من استباق واستحداث للفعل‮.‬

ولدينا أكثر من مثال‮ ‬يؤكد ذلك من تاريخنا القريب،‮ ‬في‮ ‬منتصف السبعينيات كان الرئيس الراحل هواري‮ ‬بومدين بصدد صوغ‮ ‬رؤية مستقبلية للجزائر بعد ربع قرن أي‮ ‬في‮ ‬حدود سنة‮ ‬2000،‮ ‬وكلف لذلك فريقاً‮ ‬من الخبراء ومنهم من زار نماذج محتملة للتطور‮ ‬يمكن الاستفادة منها ومن بينها كوريا الجنوبية ـ لنلاحظ كيف أصبحت اليوم ـ وتم إعداد مشروع الدراسة الشاملة والقطاعية بتمويل من شركة سوناطراك،‮ ‬وسُلّمت نُسخ أولى منها لرئاسة الجمهورية،‮ ‬وكان‮ ‬يُفترض أن تُستكمل بعد حين‮… ‬ولم‮ ‬يحدث ذلك،‮ ‬لأن رئيس الجمهورية مرض ثم توفي‮ ‬بعدها بقليل،‮ ‬وتبدل اتجاه النظام السياسي‮ ‬بعده،‮ ‬ولم‮ ‬يعد كما كان،‮ ‬ولم‮ ‬يعد لذلك الاستشراف جدوى‮. ‬لقد تم تغيير الأولويات،‮ ‬وتبدّلت الوجهة،‮ ‬وحتى القناعة بأننا‮ ‬يمكن أن نشرع في‮ ‬بناء جزائر سنة‮ ‬2000‭… ‬وقد كنا في‮ ‬منتصف السبعينيات‮.‬

وحدث ما حدث من تحوّلات في‮ ‬بلادنا مع بداية التسعينيات على المستوى السياسي،‮ ‬وتم تكليف فريق آخر من الخبراء في‮ ‬ظل النظام الجديد للقيام بدراسة استشرافية للخمسة عشر سنة القادمة ـ الجزائر‮ ‬2005ـ وكان ذلك في‮ ‬بداية التسعينيات وهذه المرة تحت إشراف فريق جديد من الخبراء الجزائريين تحت إشراف المعهد الوطني‮ ‬للدراسات الإستراتيجية الشاملة‮. ‬واغتيلت الدراسة باغتيال أحد أهم إطاراتها الأستاذ جيلالي‮ ‬اليابس رحمه الله،‮ ‬ونُسب ذلك للإرهاب‮ “‬الأعمى‮” ‬الذي‮ ‬ـ للمفارقةـ‮ ‬يُصبح بصيرا ومتبصّرا عندما‮ ‬يتعلق الأمر بالعلم والعلماء‮…‬

وتسبّب الاضطراب الحاصل في‮ ‬النظام السياسي‮ ‬في‮ ‬تلك الفترة في‮ ‬جعل محاولة صوغ‮ ‬رؤية مستقبلية للبلاد‮ ‬يتحول إلى ما‮ ‬يُشبه المستحيلات‮. ‬واستمر تنفيذ السياسات القطاعية المختلفة من‮ ‬غير أي‮ ‬رؤية مستقبلية،‮ ‬بل قل من‮ ‬غير أي‮ ‬سياسات عامة واضحة المعالم،‮ ‬إذا استثنينا تلك المحاولة الجادة التي‮ ‬بادر بها رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش،‮ ‬والتي‮ ‬تم إجهاضها في‮ ‬المهد‮.. ‬ويعرف الجميع اليوم أن أغلب‮  ‬القرارات التي‮ ‬تم به تسيير البلاد خلال العقدين الماضيين كانت في‮ ‬كل مرة تتم على عجل وأحيانا تُسمى كذلك‮ (‬برامج استعجالية‮) ‬تبرز فجأة ثم تنطفئ بعد حين‮ (‬الدعم الفلاحي،‮ ‬دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة،‮ ‬إصلاح التعليم،‮ ‬الصحة،‮ ‬عدل‮ ‬01،‮ ‬إصلاح العدالة‮ …‬الخ‮)‬،‮ ‬برامج‮ ‬غير مرتبطة برؤية متكاملة مصاغة باستقلالية ومُلزمة للجميع‮.‬

وهكذا ما نلبث أن نجد إمكانيات مالية ضخمة تُصرف بنتائج‮ ‬غير متناسبة معها نتيجة هُلامية الدور الذي‮ ‬لعبته منظومة الحكم ومن‮ ‬يمثلها في‮ ‬تعالمها مع هذه الإصلاحات،‮ ‬وفي‮ ‬المعنى الذي‮ ‬كانوا‮ ‬يعطونه لها‮. ‬أي‮ ‬أن الإشكالات الواقعة داخل هذه المنظومة كانت في‮ ‬كل مرة تمنع أي‮ ‬محاولة للقيام بأعمال شاملة أو قطاعية بعيدة المدى‮ ‬غير مرتبطة باستمرارية أشخاص بعينهم في‮ ‬الحكم،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة كان‮ ‬يحدث الانقطاع والتراجع عن بعض القرارات وتعديل التعديل بما في‮ ‬ذلك على تسمية الوزارات وهياكلها والغاية منها،‮ ‬ومازال الأمر‮ ‬يحدث إلى اليوم في‮ ‬أعلى مستويات اتخاذ القرار،‮ (‬آخر تعديل حكومي‮) ‬مما‮ ‬يؤكد‮ ‬غياب الرؤية وغياب من لديه القدرة على صوغها من جديد‮.‬

ولعل هذا ما‮ ‬يجعلنا نقول إن أصل أي‮ ‬إصلاح هو في‮ ‬منظومة الحكم‮.. ‬قد‮ ‬يقوم الأفراد بأدوار ذات أهمية بالغة لفترة من الفترات،‮ ‬وقد‮ ‬يقومون بتحسين حال قطاع من القطاعات،‮ ‬ولكنهم في‮ ‬آخر المطاف سينهزمون أمام منظومة حكم ليست لديها رؤية مستقبلية واضحة مصاغة من خلال مشاركة الجميع‮.‬

لذا فإننا نبقى نصر أن مشكلتنا بالأساس تكمن في‮ ‬هذا المستوى‮. ‬من‮ ‬غير الممكن أن نقوم بأي‮ ‬إصلاحات هيكلية أو‮ ‬غير هيكلية،‮ ‬قطاعية أو شاملة،‮ ‬إذا لم نعد صياغة منظومة الحكم وفق قواعد الشرعية والشفافية والتمثيل الحقيقي‮ ‬لكافة الشرائح الاجتماعية من خلال انتخابات‮ ‬غير مزيفة تمكّن ممثلين حقيقيين للشعب من حلّ‮ ‬مشكلة السلطة،‮ ‬وبعدها لن‮ ‬يبقى الإشكال مطروحا؛ ذلك أن سلطة شرعية،‮ ‬ومنظومة حكم ممثلة حقيقية لجميع شرائح المجتمع لا‮ ‬يمكنها إلا أن تبادر بصوغ‮ ‬رؤيتها المستقبلية قبل أي‮ ‬أمر آخر،‮ ‬هذا إذ لم تكن تمتلكها بالأساس،‮ ‬وهو ما سيساهم بحق نقلنا من حال العمل وفق قواعد الاستعجال إلى العمل وفق قواعد التبصر والاستشراف،‮ ‬الحلم الذي‮ ‬نتطلع أن‮ ‬يتحقق ذات‮ ‬يوم‮.‬

مقالات ذات صلة