من يُصدّق من؟
مازالت شخصيات “قديمة” تصنع الحدث وترفض أن تغادر الأحداث، لكن الملفت والمثير، هو اتهامات بالجملة والتجزئة بين هذا “الجيل القديم”، ما يجعل الجيل الجديد، إمّا متفرّجا متمتـّعا وإمّا مستقيلا غير مكترث لأحداث عمرها تجاوز العشرين سنة أو أكثر!
مهما يكن، فإن التاريخ لا يموت، ولذلك ما زالت الكثير من الأحداث والشواهد حيّة ترزق. والملاحظ، أن الجيل الذي صنع الحدث القديم، من باب المنصب والوظيفة والمسؤولية التي تقلدها، أو من حيث قربه آنذاك من دوائر صنع القرار، انقسم إلى قسمين أو أكثر:
قسم يتكلم لا يحكمه “واجب التحفظ” والسرية ولا هم يحزنون، يتهم ويكشف ويفضح، أحيانا بالدليل، وأحيانا أخرى من دون دليل، ويكتفي بشهادات مثيرة وخطيرة لا يُمكن تجاوزها هكذا بسهولة!
وقسم آخر مضرب عن الكلام وحتى الطعام، لا يرّد حتى إن سألته، ملتزم الصمت من باب أن الصمت حكمة، وأن السكوت من ذهب والكلام من فضة، وإذا تكلّم فإنه ينصح مستمعيه بعدم تكرار ما سمعوه عنه!
وبين الفريقين المختلفين والمتخالفين في وجهة نظر “تأريخ الأحداث”، طائفة تردّ، إمّا لأنها معنية بالاتهمات والتوريطات، فتدافع وترافع، وطائفة أخرى لا تبالي، أو تغمض أعينها لأنها “غير معنية” بالزفة!
في ظلّ هذه “الهوشة”، ليس هناك “طريق ثالث”، ولا “فاصل” يُصلح بين هؤلاء وأولئك، ويرجّح الكفة للفريق الأول أو الثاني، ويُظهر “الحقيقة” الحقيقية، في الذي حدث منذ عدّة سنوات، بما لا يجعل أيّ طرف يجعل “الحليب” يصبّ في إنائه دون إناء غيره!
التاريخ “واعر” ولا يرحم، وسجال وجدال الأولين والسابقين، قد لا ينفع اللاحقين، ما لم يكن مبنيا على حقائق موثقة ودقيقة، وبعيدا عن الأحقاد وتصفية الحسابات، والأهداف المرتبطة ارتباطا وثيقا بالحفاظ على المصالح، أو البحث عن جمع المغانم من “قرن الشكارة”!
شخصيات عديدة ومتعددة تكلمت، منها مَن ليته لو لم يتكلم، ومنها من “ثرثر” ولم يقل شيئا، ومنها من يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، ومنها من قال قولا منسوبا إلى موتى لا يُمكنهم الإدلاء بشهادتهم!
لم تعد كتابة المذكرات والذكريات مدعاة لاهتمام الرأي العام، لأن شبهة عدم صدقيتها، أو عدم دقتها، أو ميلها إلى جهة على حساب جهة، أفقدتها جاذبيتها وأفرغتها من محتواها!