الرأي

من أجل قراءة موضوعية لترتيب جامعاتنا في التقارير العالمية

الشروق أونلاين
  • 2565
  • 10

مع صدور آخر تقرير لجامعة جياو تونغ بشنغهاي الصينية (academic ranking of wold universities) ـ أوت 2013 ـ عن ترتيب الجامعات الرائدة في العالم، تذكرت الضجة التي أحدثها بعض المسؤولين عندنا ومن نحا نحوهم من أكاديميين، خرجوا علينا يعارضون مضمون هذه التقارير دفاعا عن شرف الجامعة الجزائرية!

واستدلوا، كما كانوا يرددونه في كل وقت وحين، بوجود باحثين وإطارات جزائرية يزخر بها الغرب، أثبتت جدارتها في شتى العلوم والاختصاصات، وهو ما أفرده بتوسع الرئيس بوتفليقة في خطابه الافتتاحي للسنة الجامعية بسطيف سنة 2009. وسجلت الوزارة الوصية على لسان مدير البحث العلمي نفس الاعتراض، حين صنفنا موقع ويبومتريك الإسباني في مراتب جد متأخرة webometrics ranking of world  universities .

ولعلّ المتفحص لهذه التقارير لا يجد بالضرورة تقاطعا مباشرا بين البلدان المصنفة في الريادة ونجاعتها الاقتصادية، مع ذلك نستطيع أن نتبين خارطة إجمالية لأقوياء العالم، مثلا في تقرير شنغهاي الذي يأتي في ريادة المؤشرات العالمية، نلحظ اكتساح الجامعات الأمريكية بـ 50 مركزا من 100 جامعة رائدة في العالم، و17 مركزا من 20 جامعة رائدة، تليها بريطانيا بـ 9 مراتب من 100، ثم استراليا بـ 5، فألمانيا وفرنسا وسويسرا وكندا بـ 4، ثم اليابان بـ 3، مع الكيان الإسرائيلي!! فالبلدان الاسكندنافية، وأخيرا روسيا.

كوريا وإيطاليا والبرازيل تدخل ضمن (101 ـ 150) جامعة رائدة، والصين تدشن دخولها ضمن المراتب (151ـ 200)  بأربع جامعات، منها الجامعة التي أعدت هذا العمل، السعودية هي البلد العربي الوحيد ضمن المراتب (151ـ 200)، إسبانيا بين  (200ـ 300) جامعة؛ تركيا بدءا من المرتبة 400.

كذلك تقرير التايمز 2013 – 2014 world university ranking  Times، الذي أكد ريادة الجامعات الأمريكية ثم البريطانية، ونفس المراتب للجامعات الأوروبية؛ غير أنه أدخل جامعات: سنغفورة وكوريا والصين ضمن المائة الأولى في العالم، وأخّر الكيان الإسرائيلي إلى المرتبة 137 و158، وقدّم تركيا إلى(201-225)، وجعل السعودية بين المراتب (301350) .

الملفت أن المؤشرات المعتمدة من تقرير شنغهاي “الصينية” أخّرت الجامعات الصينية كثيرا مقارنة مع التايمز البريطانية التي جعلتها في المراتب الأولى؛ رغم ذلك لم نسمع من الحكومة الصينية، عكس السلطات الجزائرية، خطابا يشجب أو مسؤولا يرفض ما جاء به تقرير شنغهاي! وكم من السهل تبرير ذلك، أليست الصين في المركز الثاني من حيث القوة الاقتصادية، وأصبحت تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على الريادة في كل الميادين حتى في الأولمبياد! فهل من المعقول أن تأتي متأخرة بهذا الشكل؟

هنا مكمن النظر، فالقوم هناك ارتفعوا عن عقلية “التبرير السلبي” والدفاع البائس، لأنهم لا ينظرون إلى ما أنجزوا، وهو كثير، فالذي يهمهم هي نقائصهم وما عليهم أن يفعلوه لرأبها، وهذا ما يميز المسؤول في العالم المتقدم والمسؤولين عندنا المطبوعين بثقافة “كل شيء بخير”

ولكي يكون بلدنا العزيز بخير ينبغي أن نرتفع إلى مستوى التفاعل البنّاء، فنفهم أن مضمون هذه التقارير (شنغهاي، التايمز، ويبومتريك) لا يلتفت إلى البحث عن الأسباب، وليس هدفه أن يعطي تحليلا عن ماهية المعوّقات التي حالت دون ارتقاء الجامعة الجزائرية إلى المستوى المطلوب، إنه يرصد حالة جامعاتنا كما هي الآن، وهو يقوّمها ـ إجمالا ـ من حيث سمعتها في الأوساط العلمية، ومستوى التدريس فيها، وبما تنتج من أفكار وإبداع، أي بما تعطيه من بحوث ودراسات واختراعات (من حيث العدد والنوعية)، وبما يُقتطع لها من الميزانية العامة، وكذا حضورها على الشبكة العنكبوتية، ومدى انفتاحها على العالم.

أجل، جامعاتنا تحوي كثير من الكفاءات، وعلماؤنا وباحثونا لهم من المؤهلات الفكرية، ومن الذكاء والعبقرية، ما نضاهي به العالم الغربي؛ لكن تبقى مقدّراتهم غير مستغلة، مثلها مثل البترول الغير مصفى والبترول المكرر المفيد في إنتاج الطاقة.

وهذه التقارير لم تحكم علينا بالتحجر والتخلف أصالةً؛ إنما تقيّم النتائج والجهود، لا النوايا وأهلية الإبداع، وفرق كل الفرق بين باحث كفؤ لكنه غير منتج، مردوديته ضعيفة، وآخر أقل كفاءة، بمنتوج محترم، ومردودية متوسطة.

 

وأذكر أن باحثينا سخروا طاقاتهم في الجامعات الغربية ومؤسساتها العلمية لا في جامعات الجزائر ومخابرها، فلنترك خطاب العاطفة لأن العمل القادم كثير، أول خطوة فيه أن نعترف بواقع الحال.

مقالات ذات صلة