من أين لك هذا؟
النوّاب قبل أن يقولوا “بسم الله”، قالوا: “الحمد لله”، وقبل انصرافهم للتمتع بعطلة بدأت ولن تنته، طالبهم رئيس المجلس الشعبي الوطني، بالتصريح بممتلكاتهم، والأكيد أن “ممثلي الشعب” سيمثلون على رئيسهم عن طريق التصريح المزيف والمحرّف عن ممتلكاتهم، وفي أحسن الأحوال، فإن المصرّح منهم، سيصرّح عند الدخول ويمتنع عند الخروج!
حكاية التصريح تحوّلت إلى “تجييح”، في نظر أغلب الوزراء وكبار المسؤولين والنواب، السابقين واللاحقين، ولكم أن تعودوا على ممتلكات أميار وولاة ونواب ووزراء، دخلوا إلى مناصبهم بـ”لاطاي”، ثم غادروها أو مازالوا فيها وقد تحوّلوا إلى أثرياء، فمن أين لهم هذا؟
لو ظلّ سؤال: من أين لك هذا؟، لصيقا ومطاردا لكلّ المسؤولين، المنتخبين منهم والمعيّنين، لما ارتدى بعضهم برنوس “الغول” الذي يعتقد في لحظة غرور، أنه حرّ في النهب والنصب والكذب، وتأميم أملاك غيره، ويُعطي لنفسه الحقّ للتصرّف فيها مثلما شاء!
لم يلتزم العديد من المسؤولين بواجب التصريح بممتلكاتهم عند استلام مهامهم ومسؤولياتهم، ولذلك لم ولن يلتزموا بالتصريح بها عند انتهاء مهامهم بانقضاء المهمة أو الاستقالة، وإمّا بالعزل والإقالة، وفي أحسن الأحوال فإن بعضهم يُسارع إلى اختزال وتقليص ممتلكاته، متجاهلا: و”أمّا بنعمة ربك فحدث!”
المصيبة أن البعض، وهذا مرض، بل عدوى زحفت نحو كلّ من يتبوّأ منصبا، يعتقد واهما ومتوهّما بأن المسؤولية هي مصدر للثراء وجمع الغنائم، ومنهم من حوّلها إلى وسيلة لممارسة “الحقرة”، وأن التصريح بالممتلكات “كـُفر”، أو على الأقل هو رفعٌ لغطاء الستر.. فاستر ما استر الله!
قد يكون الحلّ، في إيقاظ مجلس المحاسبة ولما لا مقصلة الخرّوبة، التي قطع بها “الموسطاش” الراحل هواري بومدين، دابر الفساد والمفسدين والمفكّرين في ارتكاب جرائم فساد ضد البلاد والعباد!
عندما يتحوّل مجرّد مير إلى “بارون” ووزير إلى “بزناسي” ووال إلى “سمسار”، وهذا ما تكشفه العديد من التحقيقات الأمنية والمتابعات القضائية، فإنه من الضروري دقّ ناقوس الخطر، وقلب الطاولة على الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، وليس في ذلك، ظلما لأيّ كان، طالما أن هؤلاء ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا غيرهم!
لعلّ الطامّة الكبرى، أن الانخراط في الفساد تحوّل إلى مهنة أو هواية أو موضة، بالنسبة لعدد من المصابين بوباء إدخال الأيدي إلى جيوب الشعب، والمعرّضين لميكروب نهب أملاك البايلك!
لقد ضيعت الجزائر الكثير والشيئ الكبير من ممتلكاتها، إمّا نتيجة لسوء التسيير والعشوائية، وإمّا للنهب والفساد المتعدّد الأشكال والأهداف، حتى أصبح المسؤولين ومعهم صغار العمال والموظفين يتنافسون على من “ينهش” أكثر، من باب “عاند ولا تحسد”، وقد انتشر مبرّر “شفتوني غير أنا” كالنار في الهشيم، بالرغم من أنه عذر أقبح من ذنب!
القضية يا عباد الله أخلاقية وتربوية، ولذلك إن لم تستح فافعل ما شئت.