-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مشروع استعماري بواجهة إنسانية

من “التمثال الذهبي” إلى “مجلس السلام”.. هكذا يرى ترامب مستقبل غزة!

من “التمثال الذهبي” إلى “مجلس السلام”.. هكذا يرى ترامب مستقبل غزة!
أرشيف
التمثال الذهبي لدونالد ترامب في غزة كما تخيله

من فيديو مستفز مولَّد بالذكاء الاصطناعي يصوّر غزة كمنتجع فاخر يتوسطه تمثال ذهبي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الكشف عن ميثاق “مجلس السلام” الذي يمنحه صلاحيات واسعة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، تتضح وفقا لمحللين سياسيين ملامح مشروع استعماري بواجهة إنسانية.

الكاتب والصحافي البريطاني أوين جونز، اعتبر في مقال نشرته صحيفة الغارديان، أن ما يسمى بـ”مجلس السلام” المزمع تشكيله لإدارة غزة لا يمثل مبادرة إنسانية أو سياسية لإنهاء الحرب، بل يجسد “مشروعا استعماريا مروعا” يعيد إنتاج منطق الهيمنة الغربية بأدوات أكثر فجاجة ووقاحة.

جونز استهل مقاله بالإشارة إلى أن مجرد أسماء المدعوين للانضمام إلى المجلس “من بلير إلى بوتين إلى أردوغان إلى أوربان” تكشف أن القضية تتجاوز غزة كجغرافيا محاصرة، لتتحول إلى نموذج يُختبر فيه مستقبل النظام الدولي ذاته، ومصير الشعوب الضعيفة في عالم تحكمه القوة المجردة.

ويستند الكاتب إلى تجربة شخصية حديثة خلال زيارته للضفة الغربية، حيث لاحظ – كما يقول – أن الفلسطينيين يكررون الفكرة نفسها بإلحاح: “لقد حولت إسرائيل أرضهم إلى مختبر”.. مختبر لا يقتصر على الاحتلال العسكري التقليدي، بل يمتد إلى تكنولوجيا القمع الحديثة، من أنظمة المراقبة المتقدمة، إلى الطائرات المسيّرة، وصولا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة.

وهذه الأدوات – بحسب جونز – لم تبقَ محصورة في فلسطين، بل جرى تصديرها إلى أنظمة قمعية حول العالم، مضيفا أن الإبادة الجماعية في غزة لم تكن مجرد جريمة حرب، بل حلقة متقدمة في صناعة عالمية للقمع، تُختبر فيها الوسائل، ثم تُسوَّق لاحقا باعتبارها “حلولا أمنية”.

في ذات السياق، يصل جونز إلى ما يسميه جوهر الخطر: “مجلس السلام” الذي شكله دونالد ترامب، والمُعد – وفق التسريبات – لتولي حكم غزة.

ويصف الكاتب المشهد بسخرية مريرة، إذ عُقد الاجتماع التأسيسي في قرية ساتون كورتيناي الهادئة بمقاطعة أوكسفوردشير، حيث يرقد جورج أورويل، وكأن “الأرض نفسها كان ينبغي أن تهتز من هول المفارقة”.

ويؤكد جونز بوضوح: “هذا ليس سلاما، إنه استعمار جديد سافر”، فاللجنة – كما يشير – لم تضم أي فلسطيني، ولا حتى أحد الناجين من غزة، في تجاهل كامل لأصحاب الأرض والضحايا المباشرين.

والأسوأ، أن ترامب سيتولى رئاسة المجلس “بصفته الشخصية، لا بصفته رئيسا للولايات المتحدة”، أي – كما يصفه الكاتب – “بصفته حاكم غزة”، وهنا ينبغي التذكير بفيديو نشره في فيفري 2025، تم تصميمه بواسطة الذكاء الاصطناعي، يوضح تصوره لقطاع غزة حين تنتهي الحرب ويحوله إلى ريفييرا الشرق الأوسط بعد أن يستولي عليه ويشرد أهله في شتى بقاع الأرض.

ومن بين الأسماء المطروحة، يبرز توني بلير، الذي يصفه جونز بأنه “مكروه في جميع أنحاء الشرق الأوسط باعتباره مهندس الغزو غير الشرعي للعراق”، متسائلا بسخرية عن خبرته في إعادة الإعمار، قبل أن يذكّر بما خلص إليه تقرير تشيلكوت حول “فشل بريطانيا الذريع في التخطيط لإعادة إعمار العراق”.

ويكشف مقال الغارديان أن المجلس يضم على الأقل اثنين من كبار مطوري العقارات، أحدهما جاريد كوشنر، صهر ترامب، الذي سبق أن تفاخر علنا بالإمكانات “القيمة للغاية” لعقارات غزة المطلة على البحر، والآخر

كما يحضر في القائمة فيكتور أوربان، الزعيم اليميني المتطرف في المجر، والملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي، وقطب الاستثمار الأمريكي مارك روان، إضافة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تمت دعوته، مع أنه – كما يذكّر جونز – “ساهم في تحويل أراضٍ ذات أغلبية مسلمة إلى ركام في الشيشان”.

ويشير الكاتب إلى أن “إسرائيل ليست راضية تماما عن تركيبة المجلس، ربما بسبب دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”، لكنها – في كل الأحوال – “لن ترضى بأقل من السيطرة الكاملة على غزة”، وهو ما لا يقلل شيئا من مأساة سكانها.

المال مقابل “السلام”!

يحذر جونز من أن المؤشرات كلها تكشف وجهة المشروع، إذ يطالب ترامب – حسب التسريبات – بمليار دولار من كل دولة للحصول على عضوية دائمة في المجلس، فيما تشير مسودة الميثاق، وفقا لـ”بلومبيرغ”، إلى أن ترامب نفسه سيتحكم في الأموال.

ويذكّر الكاتب بأن ترامب سبق أن اقترح “إعادة توطين سكان غزة بشكل دائم”، أي “تطهير عرقي”، ثم نشر مقطع فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي يصور غزة كمنتجع فاخر، يتوسطه تمثال ذهبي ضخم له.

ويرى جونز أن من السذاجة الاعتقاد بأن ترامب تخلى عن هذه الرؤية، حتى عندما قال العام الماضي:
“لن يطرد أي فلسطيني”.

“لن يُطرد أحد من غزة”.. هل تراجع ترامب عن خطة ريفييرا الشرق الأوسط؟

“الهجرة الطوعية” الاسم الآخر للتطهير

وفي مؤتمر صحافي حديث مع بنيامين نتنياهو – المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية – قال ترامب إن سكان غزة، إذا أتيحت لهم فرصة “للعيش في مناخ أفضل، فسوف ينتقلون، إنهم هناك لأنهم مضطرون لذلك”.

ويشير الكاتب إلى أن ترامب يستند إلى استطلاعات رأي تزعم أن قرابة نصف سكان غزة يرغبون في المغادرة، وهو أمر “غير مفاجئ” في ظل الدمار الشامل، والخيام، وغياب أبسط مقومات الحياة.

لكن جونز يشدد على أن هذا الخطاب يخفي نية واضحة بعدم السماح بالعودة، تماما كما قال نتنياهو العام الماضي إنه “سيسمح للفلسطينيين بالخروج”.

ويكشف أن تل أبيب أيدت سرا منذ بداية الحرب فكرة “الهجرة الطوعية”، مع إدراكها أن جعل غزة غير صالحة للعيش سيحول هذا الخيار إلى إكراه. ويستشهد بتصريح سابق لنتنياهو قال فيه: “مشكلتنا هي إيجاد دول مستعدة لاستقبال سكان غزة، ونحن نعمل على ذلك”.

وفي هذا السياق، يذكر الكاتب باعتراف الكيان الصهيوني مؤخرا بجمهورية أرض الصومال، مع تسريبات عن استعدادها – مقابل ذلك – لاستقبال لاجئين من غزة، رغم نفي رسمي جزئي.

ماذا بعد غزة؟

ويخلص جونز إلى أن الخطر لا يقتصر على الفلسطينيين وحدهم، فميثاق “مجلس السلام” لا يذكر غزة أصلا، ويبدو – بحسبه – “محاولة لبناء بديل للأمم المتحدة”، أي أداة أمريكية فظة لفرض النفوذ، وبعبارة أوضح: “غزة ليست سوى التجربة الأولى”.

ويحذر الكاتب من أن ترامب، وهو يتخلى حتى عن ادعاء “التفوق الأخلاقي”، يسرّع سقوط الهيمنة الأمريكية، فهذه الهيمنة – كما يقول – قامت على ثلاثة أركان: التفوق العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والتفوق الأخلاقي. الأول تحطم في العراق وأفغانستان، والثاني انهار مع أزمة 2008، أما الثالث “فكان دائما خدعة”.

ويختم جونز مقاله بالتأكيد على أن صراحة ترامب الفجة، رغم قسوتها، تكشف الحقيقة العارية: عالم لم يعد مستعدا لتصديق أكاذيب الهيمنة، وسيرغب أكثر من أي وقت مضى في “طي صفحة أسيادها الفاشلين”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!