من جديد: ما هو المعيار؟
لكي نفرّق بين الصديق والعدو لابدّ من معيار، ولكي نتخذ موقفا سلبيا أو إيجابيا لابد من معيار، ولكي نوافق أو نعارض لابد من معيار.. وهذا يعني بوضوح أننا نلتزم ميزانا ومقياسا يحدِّد لنا خط مسيرتنا في الحياة كأفراد وشعوب.
ومن الظلم، بل أشد الظلم، أن ترى الشيء نفسه قبيحا عندما يأتي من مُخاصم وأن تراه حسنا عندما يأتي من مصاحب.. لأننا حينذاك نرسي معالم الجاهلية والعنصرية والبهيمية التي لا تفرّق ولا تلتزم منهجا أو كتابا هاديا.
ولأننا الأمة الخيرية الموعودة بالظهور على العالمين، ولأننا أمة خصها الله سبحانه بأن يتنزّل القرآن معجزة الله بين ظهرانيها، كان لابد لنا أن نلتزم بمنهج ومعيار.. ولم نُترك هكذا نهبا للأمزجة وفي مهب رياح تتقاذفنا ذات اليمين وذات اليسار، بل خط لنا الإسلام خطا بيِّنا لا لبس فيه.
إنه موالاة من يوالينا ومعاداة من يعادينا.. إنه مدّ يد السلام للناس جميعا بلا استثناء: فمن قبلها فهو محل ترحيبنا وإكرامنا، ومن ردها علينا بالغدر والخيانة والعدوان فلن يرى منا ودا ولن يطمع في كرمنا ولن نشاركه هما أو عزما أو خطة بل سنردّ عدوانه بكل حزم..
الكيان الصهيوني هو العدوّ بإجماع الأمة بكل قومياتها ومذاهبها واجتهاداتها.. هو عدوّ بائن اعتدى على أمّتنا ومقدساتها واحتلّ أرضها المباركة ولا يزال يعيث الفساد، فمن قام للرد عليه فهو أخٌ لنا له منا التقدير والنصح والأخوّة، ومن مد له يد العون واشترك معه بالتفكير والتخطيط وأسنده بالمال والموقف وأظهر له الود والتفهم، فهو بلا شك ليس منا ولا يمثل روحنا ولا رسالتنا ولا أمتنا.
في الأمة قبائل وشعوب، وفي الأمة اجتهادات وأفهام متباينة في مسائل عديدة، ولكن التمايز في الأمة ليس على أي من هذه الأسس، إنما على أساس واحد من هو الأتقى للحدود، من هو الأحرص على وحدة الأمة ومن هو الذي لا يمايز إلا على التقوى.. فالوحدة من كل المكونات، والوحدة خلف الأكرم والأتقى، هكذا نكون اكتشفنا العنصرين الأساسيين في المعيار.. إنه معيار الوحدة والنصرة.
إن الدعوة إلى تماسك الصفّ وتحريض الأمة على الصمود والمقاومة ورص الصفوف إنما هو المعيار الأقوم وهو سبيل المؤمنين، كما أن التنابز بالألقاب وتفريق الأمة شيعا وطوائف وتوهين عزيمتها في قبول الدنيّة والارتماء في شباك المستعمرين وبناء جسور مودة مع العدو… إن هذا جميعه عملٌ باطل فاسد لا يمتّ للأمة ولا لروحها ولا لرسالتها بشيء.
المعيار هو قبل كل شيء.. وإن إبرازه ضرورة واتّباعه فريضة، وعلى هدي منه تتابع الخطوات من أجل الحرية والكرامة والعزة.. ولن تجد أمة في السابق أو اللاحق يكون لها شأن فيما هي فاقدة المعيار لأن فقدان المعيار دليل الانهيار والاندثار.
وعلى ضوء هذا يكون نظرُنا إلى المسؤول الفلاني والحاكم العلاني والحزب هذا والتجمّع ذاك.. ويكون حكمُنا بلا هوى إنما بميزان العدل بغضّ النظر عن القوم والمذهب.. هذا سبيل المؤمنين وسبيل الانتصار المبين.. تولانا الله برحمته.