الرأي

من روتايو إلى ماكرون.. حقد الاستعمار واحد

منذ بدايات الأزمة مع فرنسا، كانت رؤيتنا واضحة، وهي أنها معضلة مستعصية مع العقلية الاستعمارية الاستعلائية، والتي لم تهضم، بعد 63 سنة من دحرها العسكري عن أرض الجزائر، أنّ هذه الأخيرة دولة حرّة اليوم ذات سيادة، فدت استقلالها بأنهار من الدماء وملايين من الشهداء، لذلك ليس ممكنا على الإطلاق بعد تلك التضحيات الجسام التعامل معها بمنطق الوصاية، لبناء علاقات ثنائية على قاعدة الإملاءات والامتيازات.

بل إن الجزائري بطبائعه النفسية والأخلاقية والسلوكيّة، يأبى التصرّف معه بخلفيات الإذلال والإكراه والعجرفة، وهذه الميزة الإيجابيّة من عوامل القوة في الشخصية الجزائرية على مرّ التاريخ، ما جعل بلاده دائما قلعة عصيّة على الاستعمار مهما طال مقامه فوق أرضها.

يمكن للجزائري الحرّ أن يتفاوض ويتنازل، في إطار تقدير المصلحة الوطنية، على كل ما هو مادّي، إلَّا المساومة على الاعتبار المعنوي المتصل بكرامته، فإنّ روح الأنفة المستحكمة في بواطنه تأبى عليه القبول ببيع شرفه، مهما كلّفته مقاومة الموقف من أثمان باهظة في تقدير الآخرين، لكنها تظل زهيدة في تقييم الجزائريين الأصلاء، إذ تختلف زاوية النظر للمسألة المتنازع حولها باختلاف المعايير القيميّة.

تلك البديهيات الحضاريّة في تنشئة الجزائريين، أفرادا وحكاما ونخبا على اختلاف مشاربهم وفئاتهم، لم يفهم كنهها حتى الآن هؤلاء الفرنسيّون المسكونون بأوهام “الكولونيالية” الجديدة، حيث ما زالوا يطمعون في الاستجابة لغرائزهم الاستعماريّة مثلما يحدث معهم في محمّيات الجوار المغاربي!

ما تكشّف في رسالة ماكرون الأخيرة بتوجيه حكومته إلى “مزيد من العزم والتصميم” مع الجزائر، وهو يشير إلى إدارة الأزمة ودفع مساعي باريس في انتزاع ما تحلم به من تنازلات تعدّها الجزائر خطوطا حمرا، يؤكد أن الساكن الصغير بقصر الإليزي ليس استثناء من القطيع الفرنسي في الجهل بالمعادلة الجزائرية.

لعلّ الأهمّ ضمن مؤشرات توجيهات إيمانويل إلى حكومة بايرو في التعامل مع الجزائر، هو أنها تثبت مرة أخرى، بما لا يدع مجالا للشكّ أو حسن النيات، أنّ اليميني المتطرف روتايو ورئيسه “التصالحيّ” المزيّف وجهان لحقد استعماري واحد، حاول طيلة أشهر من المناورة على لعبة تبادل الأدوار القذرة، فلمّا فشلت المسرحيّة الدبلوماسيّة، لم يكن من خيار آخر أمام الرئيس سوى الجهر بإعلان “النفير الفرنسي” ضدّ المصالح الجزائريّة.

نحن لم نستغرب موقف ماكرون، أولاً، لأننا لم نصدّقه يوما فيما كان يظهره من تودّد تجاه الجزائر، بل إن تصريحاته العدائيّة سرعان ما فضحته في مناسبات كثيرة، من الطعن في وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، إلى الابتزاز الحقوقي بقضية الخائن صنصال، وصولا إلى أطروحة “الحكم الذاتي” في الصحراء الغربية، لكن البعض من بني جلدتنا ظلّ يحلّل الأحداث بمقاربات خاطئة، تجتهد في تبرئة رئيس دولة من آثار الأزمة، مع أنه يملك كامل الصلاحيات الدستورية والسياسيّة، مقابل شيطنة وزير واحد في حكومته، قبل أن يخرج إيمانويل بنفسه ليقول للجميع: “أنا عدوّكم أمس واليوم وغدا”.

والسبب الثاني لانتفاء الغرابة عندنا، هو أنّ ماكرون أقلّ من أن يرقى إلى وزن “الرؤساء القادة”، حيث يمكنهم صناعة القرارات المصيرّية في الأوقات المفصليّة لحياة الأمم، وحتى لا نحمّله فوق طاقته، فهو مجرّد رئيس بـ”الصدفة التاريخيّة”، إذ رمت به حسابات الدولة العميقة إلى هرم السلطة، أو بتعبير أدقّ هو “الرئيس الوظيفي” للوبيّات تحكم من وراء الستار، فلا يمكن أبدا المراهنة على اتخاذه مسارًا سياسيًّا شجاعًا في العلاقة مع الجزائر، يخلّد به مروره عبر منظومة الحكم الفرنسيّة. لذلك، فإنّ كل ما حاول تقديمه للجزائريين لا يتجاوز السقف المسموح به في إطار دبلوماسية براغماتيّة تسابق زمن التحولات الكبرى، لإنقاذ ما بقي من مزايا ضائعة في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

الآن بوصلة المعركة السياديّة واضحة المعالم، ولا مجال فيها للتردّد أو الحسابات التخمينيّة، وقد منح الفرنسيّون مؤسسات الدولة الجزائر فرصة أخرى للتعبئة الشعبية والسياسيّة لإسناد كل الإجراءات والقرارات التي تصون كرامة الوطن وتحفظ مصالحه العليا.

لقد جاء ردّ السلطات في بلادنا موفّقا حتى الآن في كسر جبروت باريس، إذ تجاوزت قاعدة “المعاملة بالمثل” إلى المبادرة الجريئة بكيل الصاع صاعين، بعدما قرّرت النقض النهائي لاتفاق 2013، بشأن الإعفاء المتبادل من التأشيرات الدبلوماسية والخاصة، عوض انتظار ما يقرّره الفرنسيّون إثر إعلانهم تجميد الاتفاق.

نعلم أنّ ما تحقّق كثير خلال السنوات الأخيرة على صعيد التحرر من التبعيّة الفرنسية، وإقرار مبادئ النديّة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة، خاصة في اتجاه إلغاء الامتيازات الموروثة، علنية أو خفيّة، للشركات الفرنسية، وتخفيض التعاون الاقتصادي مع الفرنسيين إلى الحد الأدنى، موازاة مع دعم الانفتاح على اقتصادات دول بديلة بعيدا عن النزعة الاستعمارية.

لكن ما زال في جعبة الجزائريين ما يؤلمون به فرنسا، ويعلون به صرح السيادة الشاملة، خاصة ما تعلّق منها بمحو آثار الفرونكوفيليّة المقيتة في الإدارات والمؤسسات وبين المسؤولين، مقابل التطبيق الفعلي والصارم لقواعد قانون تعميم استعمال اللغة العربية، مع مواصلة الانتقال اللغوي التدريجي في نظامنا التعليمي بشقيّه العامّ والعالي، وتسريع تجريم الاستعمار ضمن التشريع الوطني والسعي لاعتماده أمميا وإفريقيا.

مقالات ذات صلة