الرأي

من وحيْ ملتقى الأمن الثقافي الهوياتي بجامعة الوادي

محند أرزقي فراد
  • 496
  • 0

نظمت المحافظة السامية للأمازيغية بالتنسيق مع جامعة الوادي حمّة لخضر (كلية الآداب واللغات)، تحت إشراف السيّد والي الولاية العربي بهلول، ملتقى وطنيا حول الأمن الثقافي وأهميته في صون الهوية الوطنية، يومي الأحد والاثنين1 و2 ديسمبر 2025م، شارك فيه عددٌ من الباحثين من جامعة الوادي ومن خارجها، وبحضور السلطات المحلية والأمنية وأعضاء البرلمان. وألقى السادة: الوالي، ومدير الجامعة، والسيد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية كلمات قيّمة صبّت في جوهر الموضوع المعالج.

قدّمتُ خلال هذا الملتقى الوطنيّ مداخلة بعنوان: “التكامل بين الأمازيغية والعربية من خلال المصادر التاريخية”، ذكرتُ ضمنها ما كتبه علماء الوادي في مؤلفاتهم في هذا السياق. وكان الملتقى حدثا بارزا استقطب جمهورا غصّ به مدرّج الجامعة (أبو القاسم سعد الله).

شعبٌ أمّه الجزائر وأبوه الإسلام

يعدُّ الأمن الهوياتي بمثابة ثالث الأثافي في تماسك المجتمع، يقتضي تحصين النشء بالوعي التاريخي، الذي يستخلص من قراءة تاريخنا قراءة متأنية عميقة، خلاصتها أن الأمازيغية والعربية تشكّلان عنصرين أساسيين في الهوية الجزائرية، منذ الفتح الإسلامي الذي كان بمثابة بوتقة انصهر فيها العنصران، فتشكل منهما شعبٌ أمّه الجزائر وأبوه الإسلام مثلما أكّد عبد الحميد بن باديس.

مظاهر التكامل الواردة في المؤلفات التاريخية

تجدر الإشارة إلى أن دولة الموحّدين (1121م- 1269م) كانت تعلّم التوحيد باللسان الأمازيغي، حسب ما ذكره المؤرخ علي بن أبي زرع، (القرن14م) في كتابه: “الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس” (دار المنصور للطباعة، الرباط، 1972، ص 177). ومن جهة أخرى ذكر الأستاذ الصادق وَعْلِي في كتابه: “الوافي في تاريخ بجاية الثقافي” (دار الأمل، تيزي وزو، ط 2021م، ص 132) أن عبد المؤمن بن عليّ سلطان الموحدين، قد اشترط في وظيفة إمام الصلوات الإلمام باللغتين الأمازيغية والعربية. وذكر الدكتور يحيى هويدى من جهته في كتابه الموسوم بـ”تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية” أن محمد المهدي بن تومرت كان أول من ترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية. (مكتبة النهضة المصرية، ج 1، ط 1966م، ص 228).

من مظاهر التكامل بين الثقافتين، تأليف أبي عبد الله بن تونارت المسيلي (القرن 12م)، قاموسا لغويا “عربي/ أمازيغي”، لتيسير التواصل بين السكان، في مجالات الحياة المتنوعة كالتجارة والفلاحة والصناعة والمعاملات. وممّا يؤكّد أيضا روح التآلف بين الأمازيغية والعربية، إدراج بعض الرحالة والجغرافيين العرب في مؤلفاتهم ألفاظا أمازيغية خاصة بأسماء الأماكن والحواضر والأنهار والأنعام والوحوش في شمال إفريقيا، منها على سبيل المثال: المسالك والممالك، أبو عُبيد البكري/ نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، محمد الإدريسي. كما وردتْ أيضا أسماء نباتات طبية باللسان الأمازيغي في الكتابين: الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، أبو محمد بن البيطار الأندلسيّ/ كشف الرموز، عبد الرزاق بن أحمادوش.

اهتمام الحركة الإصلاحية بالثقافتين الأمازيغية والعربية

أولت الحركة الإصلاحية الفكرية أهمية معتبرة للثقافتين الأمازيغية والعربية، وهذا من أجل إفشال سياسة الاستعمار التي كانت تضرب على وتر سياسة “فرّق تسد” بين الأمازيغ والعرب. وتجلى هذا الاهتمام بوضوح في الكتب التاريخية التي ألَّفها مبارك الميلي (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) الصادر سنة 1928م، وأحمد توفيق المدني (كتاب الجزائر) الصادر سنة 1931م، وعبد الرحمن الجيلالي (تاريخ الجزائر العامّ) الصادر سنة 1954م. كما بدت أيضا هذه المقاربة التكاملية في شعر الحركة الإصلاحية بأقلام محمد الصالح رمضان، والشيخ أحمد سحنون، ومحمد العيد آل خليفة. وجاء في قصيدة “أحيّي بالرضا حُرُمًا يُزار” التي نظمها هذا الأخير بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث بمدينة تلمسان في خريف سنة 1937م قوله:

أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فقد كتب في سياق هذه المقاربة التكاملية مقالا رائعا بعنوان: “ما جمعته يد الله لا تفرّقه يد الشيطان”، وقَّعه باسمه ونسبه الأمازيغي (عبد الحميد بن باديس الصنهاجي)، نشره في مجلة “الشهاب” في شهر فيفري 1936م. والمقال -كما ذكر الكاتب- هو تعقيب إيجابيّ على الكلمة التي ألقاها الشيخ يحيى حمودي، عضو مؤسس لجمعية العلماء، بالأمازيغية في نادي الترقي، وهذه فقرة منه:« إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلِّف بينهم في العسر واليسر، وتوحّدهم في السراء والضراء، حتى كوّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام. وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم. فأيّ قوةٍ بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرّقهم لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع!؟».

ونستشف من خطبة الشيخ يحيى حمودي، أن الأمازيغية كانت لغة عمل لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد أكّد ذلك الكاتب المصلح محمد الحسن فضلاء، حين أشار إلى أن الشيخ الصادق عيسات، وهو أحد أبناء جمعية العلماء، كان يشرح القرآن ويقدّم دروس الوعظ والإرشاد باللسان القبائلي (أنظر كتابه: من أعلام الإصلاح في الجزائر،ج2، دار هومة، ط 2000، ص 148).

أمّا الشيخ قاسي اُوضيف الله (1898- 1950م) فقد نال لقب “شاعر جمعية العلماء” باللغة الأمازيغية. وقام صديقه الشيخ الحاج بوبكر بجمع شعره الإصلاحي وتدوينه بالأبجدية العربية. ثم قامت الكاتبة تاسعديت ياسين في وقت لاحق بدراسته، فخصّصت له كتابا يليق بمقامه.

نستخلص ممّا ذُكِر أن شعار جمعية العلماء (الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا) كان شعارا تاريخيا موجّها ضد الاستعمار الفرنسيّ في زمانه، ولا يحمل دلالة إقصائية للثقافة الأمازيغية كما يعتقد البعض في الوقت الحاضر.

اهتمام الحركة الوطنية التحررية بالثقافتين الأمازيغية والعربية

 لم تتخلف الحركة الوطنية الاستقلالية -وإن كانت بدرجة أقلّ- عن توظيف الأمازيغية، من أجل نشر أفكار الوعي السياسيّ التحرري في أوساط المجتمع عن طريق الخطب والأناشيد الوطنية، لعل أهم نشيد راج في عقد أربعينيات القرن الماضي، نشيد “أكّرْ أمِّيسْ اُومازِيغْ” (انهض يا ابن الأمازيغ) الذي ألفه المناضل الشاب محند اُويذير آيت عمران في مطلع سنة 1945م وهو طالبٌ بثانوية بن عكنون، وقام رفيقه في الدراسة والنضال حسين آيت أحمد بترجمته إلى العربية حسب شهادة هذا الأخير الواردة في مذكّراته (مذكرات مكافح 1942- 1952م).

ساهمت الأمازيغية -على غرار العربية- في عهد ثورة نوفمبر التحريرية، في دعمها بالأناشيد الوطنية، لعل أبرزها نشيد: “أيْمّا أصبَر اُورَتسْرُو” (صبرا جميلا يا أمّي) الذي ألّفه المجاهد فريد علي، عضو الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، في تونس.

التكامل بين الثقافتين في وادي سوف

تعدُّ منطقة وادي سوف قلعة من قلاع العلم والدين والجهاد في الجزائر، أنجبت علماء وأعلام كثيرين في مجالات عدة، خصّص لهم الأستاذ رشيد سلطاني كتابا بعنوان: “مشاهير سوف الأوائل” (مطبعة سخري، 2014م)، وأدرجهم أيضا الدكتور أبو القاسم سعد الله في مؤلفاته الكثيرة. وقد تميّزت مؤلفاتهم التاريخية والثقافية بالموضوعية في سرد تاريخ المنطقة، ذاكرين كل عناصر الثقافة المحلية من دون إقصاء أيٍّ منها.

إن ما يلفت الانتباه في تسمية (وادي سوف)، أنها مركَّبة من كلمتين، الأولى عربية والثانية أمازيغية (أسوف) لهما المعنى ذاته، جسّدت جزائريتنا وأكّدت تواجد العنصرين الأمازيغي والعربي في تركيبة سكان المنطقة منذ الأزمنة الغابرة. وفي هذا السياق أدرج الشيخ إبراهيم العوامر المتوفى سنة 1934م، كلمة “أسوف” الأمازيغية ضمن الاحتمالات المختلفة التي ذكرها في سياق تفسير كلمة “سوف”، أشار إليها في هامش الصفحة 42 من كتابه: “الصروف في تاريخ الصحراء وسوف” (ط.2007م) بقوله: «وقيل أيضا إنها مأخوذة من لفظة “أزوف” وهي كلمة بربرية معناها الوادي. وبحكم اختلاف تداول الألسنة حُرّفت وصارت سوف». وقد شاطره في هذا الاحتمال الأستاذ بن سالم بن الطيب بالهادف في كتابه: “سوف تاريخ وثقافة” بقوله: «… ويمكن أن تكون تسمية سوف نشأت من الكلمة الأمازيغية “إيزوف” أو “أسيف” بمعنى مجرى مائي…» (مطبعة الوليد، 2007م، ص 15).

أدرك شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله أهمية الأمن الثقافي في الوطن، لذلك كتب مقالا علميا مُنصفا سنة 1994م بعنوان “هيئة مغاربية للغة البربرية”، نشره في كتابه:”أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر”، ج 5، ط 2005م، ص 217م، دعا فيه أقطار شمال إفريقيا إلى الإسراع بتأسيس أكاديمية للأمازيغية، قصد جمع تراثها المتنوّع، لأنه ليس من مصلحة الشعوب المغاربية أن يُترك هذا التراث بين أيدي العابثين به في الخارج.

ومن مظاهر التعايش، تنوّع أسماء التمور، بعضها عربية وبعضها الآخر أمازيغية، وكذا تنوُّع أسماء الأماكن (طوبونيميا). هذا وقد أخبرني المؤرخ الدكتور إبراهيم مياسي -رحمه الله- أن جذر كلمة “ڤمَّار” أمازيغيٌّ معناه الركن أو المرفق، وهي قريبة من اللفظ المستعمَل عندنا في الزواوة (ثِيغْمَرْث).

وقد أبرز البروفيسور أحمد محمد زغب المختص في الثقافة الشعبية بشيء من التفصيل، تداخل الثقافتين العربية والأمازيغية في كتابه الموسوم: “معجم الألفاظ الأمازيغية في لهجة وادي سوف” (ط 2024م)، ومن العبارات المركَّزة الواردة في الكتاب قوله: «… نجد أكثر الألفاظ التي تُستعمل في الأمازيغية من أصل عربيّ تعود إلى الحياة الدينية… كما أنه من الطبيعي أن تقترض اللغة العربية من الأمازيغية الألفاظ التي لم يعرفها العرب في بيئتهم الصحراوية كأسماء بعض الأشجار والنباتات (تلسلغا، البلبال، الفرنان، فليو) الحيوانات والحشرات (فكرون، بوبزيز، بوجغللو، البرني، التبيب)، أو أنواع الصخور (التافزة، التيشمت، شنقورة)، وبعض مظاهر الثقافة المحلية كاللباس (البرنوس، القندورة، والبخنوق)، والوجبات الغذائية (الكسكسي، والبركوكش، والطمينة)، والأدوات التي تختلف عن تلك التي كان العرب يستعملونها (شاقور، غنجاية، قرداشة، الزكرة، والشيبوطة.. إلخ)».

ومن جهة أخرى أدرك شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله أهمية الأمن الثقافي في الوطن، لذلك كتب مقالا علميا مُنصفا سنة 1994م بعنوان “هيئة مغاربية للغة البربرية”، نشره في كتابه:”أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر”، ج 5، ط 2005م، ص 217م، دعا فيه أقطار شمال إفريقيا إلى الإسراع بتأسيس أكاديمية للأمازيغية، قصد جمع تراثها المتنوّع، لأنه ليس من مصلحة الشعوب المغاربية أن يُترك هذا التراث بين أيدي العابثين به في الخارج. وقال في هذا السياق: «إن الأمم والشعوب تنشئ المجامع والمجالس العلمية والهيئات المختصّة، لكي توحّد عقول أبنائها، وتجعلهم ينتمون إلى تراثهم، ويعتزّون بأجدادهم، ويشعرون بالترابط والتآخي والمصير المشترك. وإذا لم نفعل نحن ذلك من الآن، فسنغرق في المصطلحات والأبجديات المستورَدة، والقرارات المرتجلة التي يعود علينا وبالها بالتشرذم والانفصام، لا قدّر الله!».

أمّا المؤرخ الدكتور محمد الطاهر عدواني المتخصّص في التاريخ القديم، فلم يستبعد في دراساته أن يكون سكان شمال إفريقيا أصلاء فيها، معتمدا على بقايا النقوش الحجرية واللقى الكثيرة التي تعود إلى أزمنة ما قبل التاريخ.

الشيخ قاسي اُوضيف الله نال لقب “شاعر جمعية العلماء” باللغة الأمازيغية، وقام صديقه الشيخ الحاج بوبكر بجمع شعره الإصلاحي وتدوينه بالأبجدية العربية. ثم قامت الكاتبة تاسعديت ياسين في وقت لاحق بدراسته، فخصّصت له كتابا يليق بمقامه. ونستخلص ممّا ذُكِر أن شعار جمعية العلماء (الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا) كان شعارا تاريخيا موجّها ضد الاستعمار الفرنسيّ في زمانه، ولا يحمل دلالة إقصائية للثقافة الأمازيغية كما يعتقد البعض في الوقت الحاضر.

جولة في المركب السياسيّ “الغزال الذهبيّ”

  تم تنظيم زيارة سياحية لوفدنا الذي ترأسه الأمين العامّ للمحافظة السامية للأمازيغية السيّد الهاشمي عصاد، بحضور الدكتور محمد زردومي والدكتورة فضيلة شبابحة والأستاذ أحمد لعلاوي (إطار بالمحافظة المذكورة)، تجوَّلنا خلالها في أقسام المركَّب السياحي “الغزال الذهبي” الذي أنجزه رجل الأعمال السيد جيلالي مهري، وهو تحفةٌ معمارية محلية نباهي بها الأمم، يستقطب الكثير من السياح الأجانب الذين يعشقون البيئة الصحراوية ويتطلعون إلى اكتشاف أسرارها، مجهَّز بكل المرافق العصرية التي توفر الراحة للسائح، مع مراعاة الطابع العمراني المحليّ الجذاب. ومن جهة أخرى شارك وفدنا في حملة التشجير بالحرم الجامعي.

زيارة الزاوية التيجانية

قام وفدنا أيضا بزيارة الزاوية التيجانية الكائن مقرها في مدينة ڤمار، وقدّم لنا السيد محمد ندير التيجاني شروحا وافية حول تاريخها، ذاكرا أنها اُسّست بأمر من الشيخ أحمد التيجاني (مؤسس الطريقة التيجانية) سنة 1789م، أي قبل تأسيس زاوية تماسين التيجانية بنحو 14 سنة. وقام الشيخ أحمد بن الطاهر بن بلقاسم التجيني (من عين ماضي) بزخرفة قبة مسجد الزاوية بالنقش على الجبس سنة 1870م. ولا يزال اسمه محفوظا بجنب النقوش.

وقد وأخبرني السيد محمد ندير أن اسم “ڤمَّار” مشتق من الكلمة الأمازيغية ” أڤمَرْ” ومعناها المَرْفق، وكان العلماء في الماضي يضيفون لقب “الأڤمري” لأسمائهم، بدل “الڤماري” الشائع في عصرنا.

أعمر ڤاڤه رائد النقش على الجبس 

أخبرني السيد محمد ندير التيجاني بحضور الأستاذ بشير خلف، أن السيد أعمر بن محمد بن إبراهيم المدعو ڤاڤه، قد تعلّم حرفة النقش على الجبس على يد أحمد بن الطاهر بن بلقاسم، ثم قام بتوريثها لأفراد عائلته. ومن إنجازاته الكبيرة زخرفة البريد المركزي وقصر الشعب بمدينة الجزائر في مطلع القرن العشرين. وعلى إثر ذلك كافأته وزارة التجارة والصناعة الفرنسية بالوسام الشرفي سنة 1919م، ثم قامت وزارة التعليم والفنون الجميلة الفرنسية بمنحه درجة أستاذ في فن النقش على الجبس سنة 1926م. وفي سنة 1930 قام أعمر ڤاڤه بزخرفة أحد قصور الباي التونسي (باشا باي)، وحصل مقابل ذلك على “نيشان الافتخار” للمملكة التونسية في شهر ديسمبر من السنة نفسها. وقام أعمر ڤاڤه أيضا بنقش قبة سيدي خالد بأولاد جلال. وقد صارت الآن حرفة النقش على الجبس مادة تدرّس في المركز المهني لمدينة الوادي.

.. أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فقد كتب في سياق هذه المقاربة التكاملية مقالا رائعا بعنوان: “ما جمعته يد الله لا تفرّقه يد الشيطان”، وقَّعه باسمه ونسبه الأمازيغي (عبد الحميد بن باديس الصنهاجي)، نشره في مجلة “الشهاب” في شهر فيفري 1936م. والمقال -كما ذكر الكاتب- هو تعقيب إيجابيّ على الكلمة التي ألقاها الشيخ يحيى حمودي، عضو مؤسس لجمعية العلماء، بالأمازيغية في نادي الترقي.

زيارة قبر المؤرخ بلقاسم سعد الله

بعد زيارة الزاوية، توجَّه وفدنا إلى مقبرة ڤمار لزيارة قبر أستاذي بلقاسم سعد الله، رفقة عدد من مثقفي المدينة وأعيانها، يتقدّمهم السيد رئيس البلدية، بمعية الدكتور محمد ماني، والأستاذ بشير خلف الذي قرأ فاتحة الكتاب.

زيارة المركز الثقافي لمدينة ڤمار

كانت زيارة المركز الثقافي لمدينة ڤمار في اليوم الثاني مسك الختام، قدّم لنا خلالها السيد محمد العيد محمودي (رئيس جمعية) شروحًا وافية لمحتويات متحفه المتنوعة (مخطوطات، وثائق، أدوات منزلية قديمة). والتقينا هناك بالسيد صالح نصبة (مرشد سياحي وصيّاد ماهر للغزلان والأرانب البرية) وهو معروفٌ بإلمامه الواسع بأسرار الصحراء.

ذكر الأستاذ الصادق وَعْلِي في كتابه: “الوافي في تاريخ بجاية الثقافي” (دار الأمل، تيزي وزو، ط 2021م، ص 132) أن عبد المؤمن بن عليّ سلطان الموحدين، قد اشترط في وظيفة إمام الصلوات الإلمام باللغتين الأمازيغية والعربية. وذكر الدكتور يحيى هويدى من جهته في كتابه الموسوم بـ”تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية” أن محمد المهدي بن تومرت كان أول من ترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية. 

وحصيلة القول إنّ الأمن الثقافي يعدُّ أمرا ضروريا في حياتنا، يستوجب احتضان الثقافتين الأمازيغية والعربية في إطار التكامل والانسجام، وهو المسار الذي سار عليه أجدادُنا طيلة القرون الماضية، فحقق لهم السكينة والوئام والتآلف، فمن الواجب أن نركز عند قراءة تاريخنا، على الأمجاد المشتركة التي تحققت في الماضي في مجالات عدّة، لتمتين لحمة التآخي والوئام بين الجزائريين. ومن شأن هذه القراءة الصائبة أن تحصِّن المواطنين بالوعي التاريخي الضروري لبناء مجتمع متماسك. وقد سُررت أيّما سرور بلقاء عدد من الأساتذة، منهم بشير خلف، محمد ماني، فوزي مصمودي، ومحمد هميسي الذي أهدى لي كتبًا وهو مشكور. ولا يفوتني في الأخير أن أقدِّم كلمة شكر وعرفان للسيدات والسادة الذين قاموا بواجب الضيافة على أكمل وجه.

مقالات ذات صلة