من يدخل “بيت الفساد” فهو آمن؟!
هل محكوم على الجزائر أن ترهن مصيرها لحكومة مستقيلة عن الشأن العام؟ وهل محكوم على الجزائريين أن يعيشوا مأساة ليسوا طرفا فيها. ولماذا يصبح الفساد هو العملة الوحيدة في البلاد؟ من يتحمل مسؤولية “الوضع الراهن” في الجزائر؟
تبييض المال بـ(المشاكل)
من السهل أن تحول المال العام إلى الخارج، لأي بنك في العالم، ولكنه من الصعب أن تدخل إلى الجزائر المال، لأنك تحاسب على ما تأتي به من الخارج وليس على ما تهرب به إلى الخارج.
هذه هي الحقيقة التي يعيشها الجميع ولا يعترفون بها.
إذا ما تمكنت من فتح حساب بالعملة الصعبة فإنه بإمكانك أن تصب فيه ما تستطيع، بشرط ألا يكون قادما من الخارج، إذ بإمكانك أن تنزل إلى (ساحة بورسعيد) وسط العاصمة، أن تدخل إلى أي حانوت أو خضار أو قهوة تقوم بتحويل الدينار إلى أية عملة تشاء أو العكس، دون أن تحاسب، وهذه “السوق الموازية للعملة الصعبة” تكشف عن جوهر الفساد الذي يمارس في السلطة، لأنها تمنح الشرعية لمن يقوم بتبييض المال.
وإذ قدر أن تلقيت مالا بالعملة الصعبة من الخارج لقاء جهد أو عمل، فأنت مطالب بأن تحوله إلى العملة الجزائرية أو يعاد إلى مصدره.
والهدف هو تشجيع “الترابندو” والتهريب وتمكين التجار الكبار من “التحايل” على القانون. والحق يقال أنك إذا دخلت إلى بعض الأقطار العربية التي تحترم اقتصادها وعملتها، تجد مكتوبا بخط عريض “يسمح لك إدخال أية عملة دون تصريح”، في حين تجد صعوبة في إخراج العملة الصعبة من البلاد إلى الخارج.
ويمكنك أن تفتح حسابا لك في أي بنك تريد بجواز سفرك، لأن هذه الدول تريد الحصول على العملة. أما في الجزائر فالحديث ذو شجون. وإذا كانت الحكومة لا تفكر في فتح مكاتب الصرف ولا تفكر في إلغاء القوانين التي تمنع حيازة العملة الصعبة، فلماذا تسمح بملايير العملات في السوق الموازية. هل تريد من المواطن أن يدخل إلى بيت الفساد ليصبح آمنا بعد أن صار هم الحكومة هو افتعال المشاكل للمواطنين.
التوقيع بـ.. انتحال الشخصية.. والتزوير
مادام العلم يسيرة “المراقب المالي” والعالم يهان ويضرب في الشوارع العمومية، والبرامج التربوية تقلص من أجل مباراة رياضية، فمن الصعب أن نتفاءل بالمستقبل، فالذي يناقش أطروحة يبقى لقبه العلمي مرهونا بالمراقب المالي في جميع الجامعات الجزائرية، والأستاذ الذي لا يهتم بملفه يهمش، والزيادة ليست مرتبطة بتاريخ المناقشات العلمية، وإنما بختم المراقب المالي.
والباحث صار هو المطالب بتسوية وضعه العلمي، لأن الإدارة فقدت سلطتها ووظيفتها وصارت “مكاتب ومناصب” ولهذا لا تفاجأ حين تجد الشوارع الجزائرية مزدحمة بالسيارات في أوقات العمل، لأن الجزائري لا يعمل وإنما “يضيّع الوقت” وقد تفطنت “مافيا المال” لـ”المراقب المالي” فلجأت إلى ابتكار شخصيات وهمية للقيام بمهمة التوقيع، يكفي أن الذي ينهب المال العام ليس أصحاب الشركات الوهمية أو السجلات التجارية للموتى وإنما من يتولى المنصب في السلطة.
فإذا كان الأطباء يُعتدى عليهم وهم في مسيرة سلمية يطالبون بحقوقهم، فلأن المستشفيات في الجزائر لم يعد يلجأ إليها إلاّ الفقراء. وإذا لم تصدقوا أعطوا لي اسم وزير واحد أو أول مسؤول عالج في مستشفى جزائري. ولأن الطبيب مايزال يداوم “ساعات” في المستشفى الحكومي، فمن حق “حراس الحكومة” أن يشعروه بانتمائه الحقيقي إلى الشعب.
والرياضة صارت هي الرئيس والحكومة والمال العام، فقد قرأت في صحيفة جزائرية أن مديرا عاما بإحدى الوزارات تبرّع بمليار سنتيم ليصبح رئيسا شرفيا لإحدى الفرق الوطنية. ولا أدري كم يكون راتب هذا المدير حتى يوفر مليارا ويتبرع به؟
وحين تقرأ رسالة السيد محمد روراوة إلى الرئيس تزداد اقتناعا بأن المشكلة ليست في الرياضة وإنما في من يريد تسييس الرياضة بعد أن فقدت السياسة شرعيتها في الجزائر.
والعصا طالت أساتذة الجامعات والأطباء وحتى قادة الأحزاب ولكنها يصعب أن تطال “أنصار الرياضة”، لأن مصير البلاد مرهون بهم، فهم الذين يفرضون على السلطة ما يريدون باستثناء بناء ملاعب جديدة أو فضاءات للرياضة أو تطوير المؤسسات الشبانية أو الرياضة في المدارس.
وحتى “المحترمة سابقا” تريد الحكومة أن تفرض عليها “يتيمة” من الرياضة علها تنشط اليتامى.
إذا أردنا أن نتحدث بصراحة، فمن الأفضل انتظار مأساة ما بعد “المونديال”، لأن البلاد في اتجاه “الانغلاق” السياسي والفكري والعلمي. والدليل أن سعيد سعدي أدرك أن بقاءه في السياسة سيحوله بطالا براتب 30 مليون سنتيم، ولهذا اختار أن يلتحق بالمزورين للتاريخ والتوقيعات.
صحيح أن رجال الثورة لجأوا إلى الأسماء المستعارة حتى يخفوا هويتهم الحقيقة، وحتى يجنّبوا عائلاتهم مضايقات الاستعمار، وأغلب الشهداء الذين يتحدث عنهم يحملون أسماء غير أسمائهم الحقيقية.
والخطأ الذي وقع فيه سعيد سعدي أنه لم يتهم المجاهد محمد بوخروبة، وإنما تعرض إلى الرئيس هواري بومدين، وهو يجهل تاريخ أخذ محمد بوخروبة اسم “هواري بومدين”، وبالتالي فهو اتهم شخصا آخر غير محمد بوخروبة.
لكن المأساة هي أن المرحوم محمد بوخروبة تخلّى عن اسمه الحقيقي، ليس عن طريق العدالة، فعائلته لم تغيّر إسمها، وإنما لجأ إلى التوقيع، بحيث عشنا 14 سنة (1965 – 1979) على قوانين ومراسيم واتفاقيات من توقيع “هواري بومدين”، وليس محمد بوخروبة ولا أحد نبّه الرئيس بومدين إلى هذا الخطأ وهو التوقيع بغير اسمه الحقيقي، وهذا يعني أن ما عشناه خلال فترته لا يحمل الشرعية القانونية، ومن شاركوا في حكمه يتحملون المسؤولية.
والرئيس العقيد هواري بومدين هو المثل الأعلى لمن خدموا الجزائر، لكن الحديث عن التوقيع بغير اسمه قد لا يعجب البعض، ولكنهم بالتأكيد سيكتشفون أن سعيد سعدي كرس “انتحال الأسماء” وبالتالي فهو جزء من النظام الذي لا يحترم القانون.
ولهذا فمن دخل بيت السلطة قد يصاب بمرض الفساد، سواء بعدم كشف اسمه الحقيقي أو كشف أملاكه أو كشف حساباته أو حتى كشف وجهه الحقيقي للناس. لا أحد يستطيع أن يستقيل من الحكومة لسبب واحد، لأن الرئيس حين يعيّن مسؤولا هو الذي يطرده أو يقيله، والاستثناء الوحيد هو أحمد بن بيتور. والسؤال أوليس سعيد سعدي مثل بومدين في الاحتيال على أسماء الغير؟.