من يعسّ من؟
الهروب من مناصب العمل، أصبح ظاهرة، لكن الخطير في المسألة، إن عمليات الكرّ والفرّ، أصبحت تكبّد خسائر بالملايير للمؤسسات والإدارات العمومية والخاصة، نتيجة فراغ المناصب من محتواها، وتعطل مصالح البلاد والعباد في أكثر من قطاع، والموسى دائما يُمسح في رمضان أو الأعياد الدينية والوطنية أو في العطل!
عندما يصبح الفرار وسرقة الوقت في رمضان والأعياد حقا مكتسبا بالفطرة والوراثة والغريزة، فمن الضروري دقّ ناقوس الخطر قبل أن يحصل الأسوأ، أمّا الفأس فقد وقع على الرأس، وكانت الضربة حتما مقضيا، ولكلّ عامل في مصنع أو موظف في إدارة، باستثناء بعض الهيئات القليلة والاستثنائية، أن يُتابع الوضع بعينيه قبل وبعد العيد ليكتشف الحقيقة!
لقد تحوّل الهروب من الوظائف إلى هواية ومرض وعدوى ووباء يقتل النظام والتنظيم وحسن التسيير والتدبير، ويدفن الأخلاق والضمير في مقبرة العشوائية و”الجموفوتيست”، وها هو رمضان انتهى أو يكاد، وقد حلّ العيد المبارك، ليجدنا في نفس السيرة والمسيرة!
تقليص ساعات العمل الرسمية خلال شهر الصيام والقيام، وتخصيص يومين للعيد كعطلة مدفوعة الأجر، قرار لم يمنع أغلبية العمال والموظفين من الفرار مبكرا وإخلاء مواقع عملهم، وهي الظاهرة التي لا تخص الشركات والمصانع فقط، وإنما تتعلق أيضا بالمهن الحرة والتجارة والفلاحة والمخابز والنقل!
قد يقول قائل بأنه من حقّ الجميع “التعياد” مع عائلاتهم وبيوتهم، لكن هل يُعقل أن يتمّ التمرّد على نظام المداومة فتـُشمّع كلّ مصادر الحياة، ويُمنع المواطنون من قضاء حاجاتهم، وتنتهي عطلة لتبدأ عطلة أخرى، دون ضمان الحدّ الأدنى من الخدمة الضرورية والقصوى؟
في مثل هذه الحالات النادرة والخصوصية، يغيب الحساب والعقاب، لأن لا أحد يُمكنه أن يُتابع الآخر، ويُطرح السؤال التالي: من يُحاسب من؟ من يُعاقب من؟ الجميع صائم، الكلّ نائم، وبعدها هؤلاء وأولئك في عطلة ترفع شعار “كلّ عطلة فيها خير”!
في “الهربة تسلـّك” يتساوى الوزير والمدير والمير وبائع الشعير والغفير وسائق الحمير، ولذلك يغيب الجواب عن “من يعسّ من؟”، فالجميع يفرّ بجلده، بحثا عن لمّة عائلية، فقدها الجزائريون قولا وفعلا وعملا، والحمد لله أنهم لم يضيعوها في رمضان والأعياد والمواسم الدينية، وإلاّ لكانت الكارثة، وحلّ عليها الغضب والسخط والعياذ بالله!
مشكلتنا أننا لا نتفاهم بيننا، ولا نتنازل لبعضنا البعض، ولا نسدّ ثغرات بعضنا البعض، ولذلك يهرب الجميع في نفس الوقت وخلال نفس الأيام، لتبقى المصالح متوقفة ورافعة ليافطة: “ولـّي مور رمضان”، ثم “ولـّي مور العيد”، وبعدها “ولـّي مور الكونجي”!