من يُرمّم العقول المُخرّبة؟
حملة السّب والشتم المشفوعة بأساليب التشويه والتخوين والاتّهام بالعمالة للخارج، التي باتت تُرمى بها الأصوات الحكيمة المنافحة عن وحدة الوطن والرافضة لكل أشكال الفتن، أظهرت حجم معاداتنا للنقاش الراقي والهادئ الذي من المفترض أن ننهل منه الفكر النقي الذي يقودنا إلى مرافئ الحضارة والرقي الإنساني، حيث يحتكم الجميع إلى الأفكار البنّاءة التي تؤمن بالاختلاف والتنوع الثقافي واللغوي، الذي ينبذ الإقصاء ويكفر بالوصاية على النّاس باسم الدّين أو اللسان!
الأحداث الهامة التي أثارت جدلا مؤخرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ببلادنا، رافقتها للأسف نقاشات هامشية اهتمت بالقشور وأهملت اللّب؛ فأصابت التفكير الراقي في مقتل، وأضحت تهدد بنسف كل القيم الأخلاقية والإنسانية داخل مجتمع ما إن يخرج من صدمة حتى يستفيق على أخرى أبشع وأفظع من سابقاتها. والسؤال المطروح: كيف نُرمّم العقول المخربة التي وجدت في الفضاء الأزرق مكانا تنفث فيه عقدها؟ لماذا أصبحنا ننفخ في رماد الفتنة ونتعمد إيقاظها وهي التي تغط في سبات عميق؟
النزعة النرجسية وعقدة التعالي جعلتنا نفتعل أزمات نحن في غنى عنها، وإلا كيف نفسّر تحول نقاش بسيط حول مسألة الهوية واللسان الأمازيغي إلى ساحة وغى نتصارع فيها بأجسادنا ونتقاذف فيها بألفاظ السّب والشتم واتهامات التخوين والعمالة للخارج؟ ألم يكن الوزير الأسبق والمفكر الموسوعي الراحل مولود بلقاسم نايت بلقاسم أمازيغيا حرّا يعتز بانتمائه ويدافع عن ثوابت العروبة والإسلام، وهو الذي كان يكتب ويحاضر بتسع لغات، وينحت المصطلحات العلمية نحتا ليوظفها في سياقات ومجالات عديدة؟ ألم يخض معركة التعريب إبّان حكم الراحل هواري بومدين، حاملا شعار: “العربية لغة قادت العالم”.
من المفترض أن نعتز بأمازيغيتنا على اختلاف لهجاتها ونبجل عربيتنا وننزع عنهما رداء التعصّب والكراهية، عبر حصر المسألة في دائرة علمية موضوعية، بعيدا عن الحسابات السياسية أو الأديولوجية الضيّقة، ودعوة الخبراء واللسانيين ليقدموا الوسائل والمناهج البيداغوجية لترقيتهما بصفتهما مصدر تنوع لساني، يوحّد أبناء البلد الواحد حول قضية هامة اسمها الوطن.
النقاشات العقيمة التي لا تحتكم إلى أساس علمي باتت أخطر على تماسك المجتمع، في ظل تراجع دور النخبة التي ينبغي لها أن تتسيّد المشهد العام، وتفحم الناس بالحجة والبرهان والدليل، لتقطع الطريق أمام الغوغاء الذين باتوا يفتون ويحللون وفق أهوائهم وما يستجيب إلى نزواتهم وعقدهم التي استوطنت اللاشعور وأبت أن تتزحزح منه. ولنا في تمثال عين الفوراة بسطيف الذي خرّبه شخص “ملتح” قيل إنه مضطرب عقليا مثال حيّ عن حجم الترهل الفكري والانحطاط المعرفي، الذي أصاب مكوّنات المجتمع، التي بارك بعض منها تحطيم هذا المعلم الأثري بدعوى أنه خادش للحياء، في مشهد يظهر حجم التدين المزيّف الذي اجتاح هذا البلد، لينتج
كائنات تحمل في أيديها صكوك الغفران توزعها على من تشاء من البشر الأنقياء والأتقياء، وكأنها شقت على صدورهم واكتشفت إيمانهم!
وباختصار، فإنّ تمثال عين الفوارة ليس وحده ما خُرّب، وإنما العقول هي التي طالها الخراب، وتحتاج إلى ترميم، في زمن أصبح كل من هبّ ودبّ يناقش مسائل الحضارة والهوية، ليأخذ المجتمع إلى الهاوية. لذلك فإنّ معاركنا لا تكون ضد الأصنام المتكلّسة بل تكون ضد العقول المتحجّرة.