مواجهة الرياح قبل هبوب العواصف
في خطاب الاعتراف بالهزيمة أمام الانتفاضة الشعبية العارمة، اعترف الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قبيل هربه بأن كل ما مارسه ضد الشعب التونسي وما أذاقه من عذاب طيلة 23 سنة من الحكم المستبد …………
-
كان نتيجة المغالطات التي تعرض لها من طرف بعض المسؤولين التونسيين المحيطين به، وهذا مهما كانت درجات تأثيرهم في ممارسة السلطة وحدوث الانحرافات السياسية وغيرها في تونس، يحيل إلى قضية “بطانات السوء” التي تعاني منها السياسات العربية ككل وخاصة منها جمهوريات وممالك السياحة والنفط في شمال إفريقيا والمغرب العربي، فهي (بطانات السوء) تبدأ في التعشيش في مفاصل السياسة ومجاري المال العام مع تنظيم الانتخابات وتأطيرها وتزويرها لصالح المترشح الأقوى الذي تقدمه الأنظمة سواء كان شحصا كما في حالة الرئاسيات أو مجموعات في حالة الانتخابات البرلمانية أو غيرها، ثم تسرع إلى احتلال الأماكن والمناصب الحساسة في الدولة والاقتصاد، وتعيث فسادا في كل شيء بدون حسيب أو رقيب عبر اللوبيهات وممارسة الابتزاز السياسي، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم بالتحديد في البلدان المذكورة، حيث الوحدة العربية هي وحدة بطانات السوء، والوحدة المغاربية هي وحدة بطانات السوء، وما تمارسه من فساد مشترك وموحد بنفس الأساليب ولنفس الأهداف.
-
تقولون أي أهداف!؟ هذا هو بيت القصيد، أهداف بطانات السوء في بلدان المغرب العربي ليست فقط خدمة المصالح الشخصية المختلفة، لأشخاص ومجموعات، وليست خدمة أو حماية المسؤولين والأنظمة الذين يلقى بهم إلى الجحيم عندما تنتهي مبررات وجودهم ويصلون إلى عنق الزجاجة ويصبحون وجها لوجه أمام شعوبهم كما هو حال الرئيس بن علي في تونس، وكما هو حال الرئيس المصري حسني مبارك اليوم.. الرئيس التونسي وجد نفسه يتبرأ حتى من زوجته وأصهاره المتهمون بممارسة أعلى درجات الفساد والقمع والإجرام من أجل أن ينجو هو بجلده، ومن أجل ذلك قدم أقصى التنازلات في لمح البصر، إذ خلال أقل من يومين تراجع من وصف الانتفاضة الشعبية بأنها عملية إرهابية وتخريبية وضيعة والقائمون عليها مجرد مجرمين يريدون تخريب السياحة واقتصاد البلاد، إلخ… إلى الاعتراف في اليوم التالي بشرعية هذه الانتفاضة وبالحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعبّر عنها، واعدا بتخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية وفتح المجال السياسي والإعلامي أمام الديمقراطية، معترفا بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها نظامه، فكيف يحدث هذا التحول الخارق في أقل من 24 ساعة، ويصبح الذئب خروفا مرتعدا بين عشية وضحاها؟. وبالنسبة للمغرب العربي، فإن مثل هذه التحولات المدوخة لا بد وأن تحدث بهدف أكبر من كل الأهداف المعلنة، هدف يرتبط بالارتباك الحاصل في أوروبا وفي فرنسا بالذات التي تفاجأت كل المفاجأة بضخامة الانتفاضة وانتشارها الواسع في المكان واستمرارها في الزمان، فرنسا المستعمر السابق الذي يريد أن يظل المستعمر الحالي والمستقبلي، لم تكن تتوقع أن ينتفض الشعب التونسي بهذا الشكل وهو المكبل منذ عدة عقود بنظام أمني محكم على حماية النظام السياسي المطبوخ بدوره على مقاس خدمة المصالح الفرنسية في تونس تماما، كما هو الشأن لبقية أنظمة الجزائر والمغرب وموريتانيا.. لذلك فإن الذعر الذي دخلت فيه السلطات الفرنسية لم يكن أقل من ذعر الرئيس بن علي وزبانيته، حتى أن وزيرة الخارجية الفرنسية خرجت عن طورها وعن الأعراف الديبلوماسية واقترحت علنيا أمام البرلمان الفرنسي فعل شيء لحماية النظامين في تونس والجزائر من السقوط قبل فوات الأوان.
-
الأمور أصبحت واضحة الآن، والمصير المشترك لشعوب المنطقة أصبح واضحا والزلزال الذي هزّ تونس أصبحت له هزاته الارتدادية المدمرة التي لا يمكن تفاديها بشراء ما هو مطروح في الأسواق الدولية من مواد غذائية وسلع وطرحها في الأسواق المحلية. وما يهبّ اليوم هو رياح التغيير التي تريد الشعوب دون رجعة أو تراجع وعلى الأنظمة القائمة، إن أرادت إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء وجهها ومقومات بلدانها، أن تهب وتتحرر من بطانات السوء، ومن خدمة المصالح الفرنسية، إلى تبني السياسات التي من شأنها الاستجابة بهدوء وبعقلانية لتلبية مطالب التغيير السياسي والاقتصادي والانتقال إلى عهد جديد والتي لم تعد لها علاقة تذكر بمطالب الخبز والماء والعمل والسكن.. هذا قبل أن تتحول هذه الرياح التي تهب اليوم إلى زوابع وعواصف عاتية تأتي على الأخضر واليابس.