الرأي

مواجهة مصيرية في مضيق هرمز

     منذ عقود، ظل مضيق هرمز شريان الحياة الأبرز للاقتصاد العالمي، والممر المائي الأهم الذي تتدفق عبره 20 % من إمدادات الطاقة لتغذي المصانع والمجتمعات من شرق الأرض إلى غربها. ورغم كل التوترات الإقليمية التي طالما أحاطت به، إلا أنه بقي مفتوحا ماعدا أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، إذ تحكمه توازنات دقيقة وضمانات دولية غير معلنة لتفادي أي صدام مباشر قد يؤدي إلى خنق حركة الملاحة فيه. لكن هذا الاستقرار النسبي تحول إلى النقيض تماما في أعقاب الحرب الأمريكية الصهيونية الشاملة على إيران؛ إذ لم يعد المضيق مجرد ممر مائي دولي، بل تحول فجأة إلى الورقة الإستراتيجية الأخطر، والمشكل الأول بلا منازع على الساحة الدولية.

بعد اشتعال فتيل تلك الحرب، وضعت طهران مضيق هرمز في قلب معادلة الردع والمواجهة العسكرية والاقتصادية، محولةً إياه من معبر تجاري إلى سلاح جيوسياسي ذكي وفتاك، وهذا راجع إلى الذكاء الإستراتيجي للجانب الإيراني، إذ أدارت به دفة الضغط المباشر على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والغرب عموما. وبفعل موقعه الجغرافي الفريد وإشرافها الكامل عليه، تمكنت إيران من تحويل هذا الممر الضيق إلى كماشة خانقة للاقتصاد العالمي، متجاوزةً بضغوطها أطراف الصراع المباشر لتطال تداعياته العالم بأسره.

إن إغلاق المضيق أو حتى تهديد أمن الملاحة فيه بشكل مستمرّ أثبت للغرب وللقوى الكبرى أن كلفة مواجهة إيران عسكريًّا لا تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد لتضرب أسس الاستقرار المالي والاقتصادي والتجاري العالمي، مما جعل من مضيق هرمز الأزمة العالمية الأولى التي تشغل مراكز القرار الدولي وتتحكم في نبض السياسة والاقتصاد في العالم.

وقد شهدت البيئة الإستراتيجية في منطقة الخليج العربي تحولا جذريا أعاد رسم توازنات القوة الدولية؛ فبعد عقود ظل فيها مضيق هرمز ممرًّا تجاريًّا مفتوحا تحكمه توازنات حذرة، تحوَّل في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران إلى بؤرة الصراع الدولي الأشد خطورة، والمشكل الأول الذي يهدد الاستقرار العالمي. وفي قلب هذا المشهد المعقد، برزت المقاربة الجيوسياسية والذكاء الإستراتيجي لطهران كعامل حاسم في إدارة الأزمة؛ إذ واجهت طهران وطأة الحرب وضغوط الحصار الشامل عبر تحويل سيطرتها الجغرافية المطلقة على المضيق إلى “قنبلة اقتصادية” موقوتة، وسلاح ردع استراتيجي فتَّاك قادر على شلِّ جزء هام من حركة التجارة الدولية في لحظات.

ومن منظور الدفاع عن العمق الجيوسياسي وحماية كيانها في مواجهة الآلة العسكرية المتفوقة للتحالف الأمريكي الصهيوني، لم تتردد القيادة الإيرانية في توظيف هذا الشريان المائي لفرض معادلة ردع جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، فلم يعد المضيق مجرد مسرح للعمليات، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي عابرة للقارات، وجَّهت من خلالها طهران ضربات موجعة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني وللغرب عموما، واضعةً المنظومة الدولية بأسرها أمام حقيقة أن كلفة المساس بأمنها الداخلي تعني بالضرورة خنق عصب الاقتصاد العالمي، وتحويل إمدادات الطاقة العالمية إلى رهينة مباشرة في يد العقل الاستراتيجي الإيراني.

في المقابل، تمثل المقاربة الأمريكية في التعامل مع أزمة مضيق هرمز بعد الحرب على إيران الوجه الآخر لمعادلة الصدام الكوني؛ إذ تنطلق واشنطن من رؤية إستراتيجية راسخة تقرأ في أي تهديد لأمن هذا الشريان المائي مساسا مباشرا وحادا بمرتكزات النفوذ الأمريكي والسيطرة العالمية، فبالنسبة لصنَّاع القرار في الولايات المتحدة، لا يقتصر توصيف المضيق على كونه مجرد ممر بحري، بل هو صمام أمان للنظام المالي والاقتصادي العالمي الذي تقوده واشنطن؛ إذ إن أي عرقلة لحرية الملاحة الدولية أو تهديد لتدفُّقات الطاقة عبره يترجَم فورا إلى هزات عنيفة تضرب ليس فقط أسواق النفط العالمية بل أيضا بعد القطاعات الأخرى مثل الفلاحة، وتهدد استقرار “البترودولار”، وتُدخل الاقتصادات الغربية والحليفة في نفق مظلم من الركود والتضخم. من هنا، ترى الإدارة الأمريكية أن الحفاظ على انسيابية الحركة في المضيق يقع في صلب أمنها القومي وأمن حلفائها، وهو ما يمنحها مبرِّرا استراتيجيا لفرض وجودها كضامن وحيد لحرية التجارة الدولية في المنطقة.

ومع تحول المضيق إلى المشكل الأول عالميا في أعقاب الحرب، انعكست هذه الرؤية الأمريكية على الأرض عبر سياسة “الردع بالتحشيد”؛ إذ دفعت أكثر واشنطن بأساطيلها وحاملات طائراتها ونشرت منظوماتها الدفاعية المتقدمة في مياه الخليج والممرات المحيطة به، بالتوازي مع إطلاق مناورات عسكرية مستمرة وتحالفات بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الناقلات. غير أن هذا الاندفاع العسكري المكثف، الذي تبرِّره واشنطن بحماية الأمن البحري، أسهم بشكل مباشر في “عسكرة” المنطقة بالكامل وتحويلها إلى مخزن بارود قابل للانفجار عند أي احتكاك بسيط. وبدلا من تبريد الأزمة، أدت هذه التحركات إلى تضييق هامش المناورة السياسية وزيادة احتمالات “الصدام الإجباري” بين القوتين؛ فالتحشيد الأمريكي المستمر بات يفرض بيئة عملياتية معقَّدة يصبح فيها الخطأ الحسابي أو التقديري من أيٍّ من الطرفين كفيلا بإشعال مواجهة شاملة ومفتوحة، تتجاوز تداعياتها السيطرة الأمريكية لتدخل العالم بأسره في أتون أزمة طاقة غير مسبوقة.

على الجانب الآخر من المشهد، يبرز دور الكيان الصهيوني كعنصر دفع أساسي لتعميق الأزمة وتحويل مضيق هرمز إلى بؤرة الصراع الدولي الأولى؛ إذ تنطلق إستراتيجية تل أبيب من رؤية قائمة على نقل الصراع المباشر مع طهران إلى الممرات المائية الحيوية، كجزء من محاولاتها المستمرة لتقويض العمق الجيوسياسي لإيران وكسر معادلات الردع التي تفرضها. ولم يتوقف الكيان الصهيوني عند حدود التحريض الدبلوماسي والعسكري المستمرّ لدفع الولايات المتحدة والغرب نحو توجيه ضربات قاصمة للمنشآت الحيوية والنووية الإيرانية، بل انخرط بشكل مباشر وواسع في إشعال فتيل “حرب ظل” بحرية خطيرة.

هذه الإستراتيجية الصهيونية، التي تجلت في استهداف السفن وناقلات النفط التجارية واللوجستية المرتبطة بإيران، نقلت المواجهة من البر والجو إلى مياه المنطقة المفتوحة، مما ساهم في رفع منسوب التوتر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة. ومن خلال هذا التصعيد البحري المدروس، يسعى الكيان الصهيوني إلى تدويل الصراع وجرِّ القوى العظمى إلى مواجهة بحرية حتمية، وهو ما يدفع بالوضع في مضيق هرمز ومحيطه نحو حافة الهاوية؛ إذ بات هذا الممر المائي ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، وصار أي استهداف صهيوني جديد بمثابة صاعق تفجير كفيل بإغلاق المضيق وتحويله إلى مشكل عالمي يشلّ الاقتصاد العالمي بأسره.

من منظور الدفاع عن العمق الجيوسياسي وحماية كيانها في مواجهة الآلة العسكرية المتفوِّقة للتحالف الأمريكي الصهيوني، لم تتردَّد إيران في توظيف هذا الشريان المائي لفرض معادلة ردع جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، فلم يعد مضيق هرمز مجرد مسرح للعمليات، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي عابرة للقارات، وجَّهت من خلالها طهران ضربات موجعة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني وللغرب عموما، واضعةً المنظومة الدولية بأسرها أمام حقيقة أن كلفة المساس بأمنها الداخلي تعني بالضرورة خنق عصب الاقتصاد العالمي، وتحويل إمدادات الطاقة العالمية إلى رهينة مباشرة في يد العقل الاستراتيجي الإيراني.

في الختام، يظهر مضيق هرمز في المشهد الجيوسياسي المعاصر كمرآة تعكس أزمة النظام الدولي بأكمله وموازين القوى المتصارعة فيه. إن هذا الممر المائي، الذي غدا “المشكل الأول عالميا” في أعقاب الحرب، لم يعد مجرد مساحة جغرافية تجري فيها العمليات العسكرية، بل تحول إلى معادلة صفرية معقدة تتقاطع عند مياهه المسؤوليات السياسية والإستراتيجية لكل من طهران وواشنطن وتل أبيب والغرب عموما.

وبينما نجحت إيران في فرض معادلة ردع غير مسبوقة بتحويل سيطرتها الجغرافية إلى “قنبلة اقتصادية” لحماية عمقها في وجه الحصار، فإن الاندفاع الأمريكي نحو العسكرة والتحشيد العسكري المكثف لتأمين مصالحه وهيمنته العالمية لم يزد الموقف إلا اشتعالا، ليعمّق الكيان الصهيوني من مأزق الحافة عبر نقل الصراع عمدا إلى الممرات المائية وإشعال حرب ظل بحرية كادت أن تخرج عن السيطرة.

إن هذه القراءة الشاملة تؤكد أن استقرار مضيق هرمز لم يعد رهنا باتفاقيات تقنية أو تفاهمات مؤقتة، بل أصبح مرتبطا بمدى إدراك القوى الدولية بأن كلفة المواجهة وعسكرة الممرات البحرية تتجاوز بكثير توازنات الأرباح والخسائر السياسية؛ فالمسؤولية الجيوسياسية المشتركة تفرض اليوم على الجميع حقيقة واضحة: أن أي شرارة تنطلق من هذا المضيق لن تحرق أطراف الصراع المباشر فحسب، بل ستمتد لتعصف بالنظام المالي وأسس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الكوني، مما يجعل من نزع فتيل هذه الأزمة ضرورة حتمية لتفادي صدمة كبرى قد لا يستطيع النظام الدولي المعاصر تحمُّل تبعاتها المدمِّرة.

مقالات ذات صلة