مواطنون ملاحقون من الأمن في قضايا فصلت فيها العدالة!
يتفاجأ كثير من المواطنين الصادرة في حقّهم أوامر بالقبض، أنهم لا يزالون محل بحث من قبل العدالة رغم تسويتهم الأمر بالامتثال و”إفراغهم” الأمر بالقبض، حيث يتم توقيفهم في الحواجز الأمنية والمطارات والموانئ والفنادق، ويقتادون لمراكز الشرطة، بسبب غياب تفعيل إجراء “الكفّ عن البحث” الذي تتولى النيابة العامة تعميمه على المصالح الأمنية من شرطة ودرك وحرس الحدود، مباشرة بعد تسوية وضعية المتهم.
مواطن “حبيس” ولايته..!!
معاناة حقيقية يعيشها المواطن طوايبية بن إبراهيم من ولاية الشلف، فرغم تسوية وضعيته مع القضاء منذ التسعينيات، بعدما كان مبحوث عنه في قضية جنائية، لا يزال إلى اليوم يُعتقل من الجهات الأمنية، ويبقى ساعات متنقلا بين مراكز الشرطة ووكلاء الجمهورية لشرح وضعيته، قبل إخلاء سبيله.
والغريب أن طوايبية استخرج 3 جوازات سفر خلال هذه الفترة آخرها جواز السفر البيومتري دون مشاكل، لكن عند توجّهه لإحدى ولايات الجنوب تم توقيفه بالفندق، والأخطر أنه مُنع الأسبوع المنصرم من طرف شرطة المطار من المغادرة نحو فرنسا برفقة ابنته، ولم تفلح محاولاته لإقناعهم بتسويّة وضعيته القانونية، فضيّع رحلته وسافرت ابنته وحيدة، ولا يزال المعني إلى اليوم يبحث عن حل لقضيته.
المحامي لدى مجلس الدولة، عبد العزيز مجدوبة:
عصرنة العدالة تستوجب تسريع الإجراءات بين النيابة والأمن
أكد المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، عبد العزيز مجدوبة، أن إجراء “الكفّ عن البحث” من صلاحيات النيابة العامة، التي تُعمّم القرار على مصالح الأمن من شرطة ودرك، لإعلامهم بتسوية الشخص لوضعيته القانونية.
وعن قضية المواطن طوايبية، أوضح المحامي “في التسعينات ولغياب تكنولوجيا الاتصال من أنترنت وغيرها، كان يتأخر وصول الأمر بالكف عن البحث إلى أجهزة الأمن لشهر أو أكثر، ولكن ليس لسنوات، والتأخر الطويل دليل أن جهة معينة لم تقم بمسؤوليتها”، وعن استخراج المواطن جواز سفر بطريقة عادية، ردّ المتحدث “الكف عن البحث مُفعّل فقط في ولايته بالشلف، وبمجرد تخطيه حدود ولايته يُقبض عليه..!!”.
وتأسّف المحامي لوجود هذه اللاّمبالاة بمصير مواطنين، في وقت يعرف قطاع العدالة عصرنة وتطورا.
المحامي عمر مهدي:
تحمّلنا المسؤولية في ظل غياب التنسيق بين وكيل الجمهورية والضبطية القضائية
بدوره أكد المحامي بمجلس قضاء الجزائر، عمر مهدي، أنه يواجه يوميا مثل هذه المشاكل، وأضاف “بمجرد انتهاء قضية لموكّل كان مبحوث عنه من طرف العدالة، أتهيأ لمواجهة مشكلة متعلقة بالكف عن البحث عنه، وهو إجراء من صلاحيات النيابة التي تهمله غالبا، ولغياب التواصل بين الجهة التي صدر منها الأمر بالقبض، والمحكمة المختصة والجهات الأمنية، وجدنا أنفسنا كمحامين مضطرين لمتابعة هذا الإجراء”.
وأخبرنا المحامي بقصة مُوكّله القاطن بالعاصمة، وهو تاجر جملة كان مبحوث عنه في قضية، وبعد تسليم نفسه وحصوله على البراءة، تفاجأ بإلقاء القبض عليه بعد شهر في حاجز أمني، أثناء توجّهه نحو مدينة العلمة، وكان الأمن بصدد تحويله نحو العاصمة.. اتصل بي، فتوجهت ليلا نحو شرطة العلمة، حاملا نسخة من وثيقة الكف عن البحث مصادق عليها من وكيل الجمهورية”.
وفي قضية أخرى، متهم مبحوث عنه منذ 2007، ألقي عليه القبض في جانفي 2016، بعد محاكمته نال البراءة من محكمة حسين داي ومن مجلس قضاء الجزائر، لكنه لا يزال يواجه مشكلة اعتقاله من مصالح الأمن.
وقضية ثالثة، تحصل فيها المتهم في 2010 على حكم البراءة من مجلس قضاء الجزائر، بعدها بأيام ألقي عليه القبض في منطقة الأخضرية، ويقول المحامي في هذا السياق اضطررت للتوجه نحو مجلس قضاء الجزائر، ومن هناك تم الاتصال بمصالح الدرك بالأخضرية، للتأكيد أن المعني “أفرغ الأمر بالقبض”، ليُعتقل مرة ثانية بولاية المدية وتم إحضاره إلى العاصمة ثم أطلق سراحه”.
متهم من تيارت، مبحوث عنه منذ 2014 في قضية مخدرات، اعتقلوه في بداية 2015، ونال البراءة بعد محاكمته، ليتفاجأ باعتقاله أياما بعدها في تيارت، وأحضره رجال الأمن للعاصمة بعد 5 أيام من توقيفه، ولم يطلقوه، إلا بعد إظهار المحامي ورقة الكف عن البحث.
حالة أخرى لمغترب كان متورطا في قضية ضرب وجرح، ولديه أمر بالقبض، عند دخوله الجزائر في 2013 ألقي عليه القبض وتحصّل على حكم عام حبسا موقوف النفاذ، غادر بعدها نحو إنجلترا بصفة عادية، ولكن عند عودته للجزائر في 2015 تم اعتقاله مُجددا.
والإشكال في الموضوع، حسب المحامي “أن النيابة العامة، هي من تتكفل بتسوية وضعية هؤلاء الأشخاص مباشرة بعد محاكمتهم، حيث تُعمم الإجراء على الضبطيّة القضائية، لكن ولإهمال الإجراءات، نضطر نحن لتوجيه طلب الكف عن البحث للنائب العام ليصادق عليه، مدوّن فيه المعلومات الشخصية عن المتهم، فأتسلم أنا نُسخة أخبئها في الأرشيف، وأعطي موكلي نسخة أخرى ليُظهرها في حال اعتقاله مجددا. والحلّ حسبه “لن يكون إلا بوجود تنسيق بين وكلاء الجمهورية والجهات المختصة بالأمر بالقبض”.