مواطنون يزاحمون المساجين في أماكن الجلوس ومتهمون يعاكسون البنات في المحاكم
يُطالب رجال قانون بجعل المقرات والهياكل القضائية مُناسبة لانعقاد محاكمات مُريحة، قبل التفكير بتشييدها في أسرع الآجال، فغالبية الهياكل المنجزة مؤخرا تفتقد لمعايير سلامة القضاة والمُتقاضين ورجال القانون.
من النقائص الموجودة في غالبية الهياكل القضائيّة المُشيّدة حديثا بالجزائر، عدم وجود قاعة مُخصّصة لجلوس السجناء أثناء محاكمتهم، وإن وُجدت تكون ضيقة لا تسع جميع الموقوفين، إلى درجة رأينا سجناء يجلسون جنبا إلى جنب مع المحامين وخلفهم يجلس المواطنون، كما تغيب ممرات خاصّة توصل المحبوسين إلى قاعة المحاكمة، فمثلا بمجلس قضاء الجزائر يطلب رجال الشرطة الإذن من قاضي يكون منهمكا في معالجة قضية ما، للسماح لهم بتمرير المساجين من تلك القاعة للوصول للقاعة المجاورة، بسبب عدم وجود أروقة مخصصة لذلك، فيعبر المساجين القاعة تِباعاَ على مرأى من الحاضرين، ثم يمرون على بهو المجلس المليء بالمواطنين.
والظاهرة تٌحْرج المساجين الذين يصبحون فٌرجة، وتتسبّب في تعطيل سير المحاكمة بالقاعة التي مرّوا عبرها، حيث يُصادف مرورهم انهماك القاضي في استجواب متهم، أو تركيز المحامين وممثل الحق العام في مرافعتهم.
ومن أطرف ما شاهدناه متهمون يعاكسون البنات الحاضرات بالجلسة. والخطير أن المساجين الذين يتحصّلون على أحكام مثل المؤبد والإعدام، يُعاود رجال الأمن نقلهم عبر بهو المجلس ثم داخل قاعة محاكمة أخرى وصولا للمكان المخصص لهم، وهو ما يطرح إمكانية هروبهم أو انتقامهم، والنتيجة قد تصل حد استخدام الرصاص الحي من الشرطة.
وتغيب قاعات الشهود من مُعظم المقرات القضائية، رغم أن قانون الإجراءات الجزائية يُلزم القضاة بوضع الشهود في قاعة بعيدة عن جلسة المحاكمة، لتجنّب سماعهم تصريحات المتهمين وعدم تغيير شهادتهم أو التأثير عليهم. لكن ما نراه بقاء الشّهود داخل جلسة المحاكمة يسمعون تفاصيل القضية، ثم يسردون شهادتهم التي قد يُغيّرونها تبعا لما سمعوه، وبمحاكم أخرى يتركونهم ينتظرون واقفين لساعات خارج القاعة، ما يضطر كثيرين للمغادرة دون الانتباه لهم.
وبدورهم يطالب المحامون بتوفير لهم طاولات لوضع ملفاتهم أثناء المرافعات، فما يوجد حاليا “لوحة خشبية مائلة” لا تسع حتى ورقة واحدة، واحتكرها المتهمون والشهود ورجال الشرطة.
ويرى إبراهيم بهلولي، مُحام بمجلس قضاء الجزائر، أن الهياكل القضائية لابد أن تتوفر على مدخل خلفي خاصّ بالمحبوسين، يربط مباشرة بين الزنزانة المخصصة لجلوسهم وقاعة محاكمتهم، وضرب مثلاً بمحكمة سيدي أو ما يسمى قصر العدالة عبان رمضان المشيدة منذ العهد الاستعماري، والتي تعتبر من بين أحسن الهياكل القضائية بالعاصمة، فهناك يصعد المحبوسون من القبو مباشرة إلى قاعة المحاكمة عبر سلالم سرية، وفي حال أقدم أي منهم على حركة غريبة يتم إنزاله مباشرة من باب سري، وجدران قاعاتها عازلة للصوت، عكس محاكم أخرى، من كثرة الضجيج الواصل لقاعاتها تشعر وكأنك في مقهى.
يقول بهلولي “المسؤولية لا يتحملها رؤساء المجالس أو المحاكم بل وزارة العدل، إذ من المفروض وجود هيئة مُختصة مكونة من رجال قانون، خبراء في البناء ورجال الشرطة وقضاة، يؤخذ بآرائهم عند الانطلاق في تشييد هيكل قضائي للمحافظة على الإجراءات القانونية عند انعقاد المحاكمات”.
ومن جهة أخرى، نشاهد بعض التصرفات التي قد تسيء إلى أصحاب الجبة السوداء، ففي محكمة باب الوادي ومحكمة بوفاريك ولضيق الأماكن المخصصة لهم، تجد بعضهم يجلس في المكان المخصص للمساجين، وآخرون يجلسون أرضا تحت المكان المخصص لكاتب الضبط ووكيل الجمهورية، وهو ما اعتبره بهلولي “يقلل من هيبة المحامي”.