مواقفنا الباهتة وديبلوماسيتنا المُقعدة
الذي يراقب الموقف الجزائري مما يجري في غزة يستهجن تراجع الديبلوماسية الجزائرية التي – هي تحت المسؤولية المباشرة لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة – والتي أصبحت مشلولة ومقعدة ومخجِلة، حيث أصبح صوت الجزائر معها خافتا ومبحوحا، إذ لا يُقبل أن تتراجع الجزائر في دعم قضايا التحرّر والقضايا العادلة في العالم وعلى رأسها: القضية المركزية والمصيرية (فلسطين)، لصالح دول أثبتت الأيام عمالتها وانبطاحها للعدو الصهيوني كالدور المخزي لمصر والدور المشبوه للإمارات وبعض الدول الخليجية الأخرى، بعد أن كانت الجزائر: كعبة الأحرار وقبلة الثوار وبنتُ أعظم ثورة تحريرية مباركة في العصر الحديث، وهي مَن علّم العالم كيف تتحرّر الشعوب بالجهاد والمقاومة المسلّحة.
– لا يُعقل أن يكون موقف الجزائر من القضية الفلسطينية باهتا وغامضا، وأن تكون تابعةً بعد أن كانت قائدة، حيث تقبل بالمبادرة المصرية -مبادرة الخزي والعار- (وهي مبادرةٌ صهيونية بامتياز)، بعد أن كذب وزير الخارجية المصري على الجميع في جامعة الدول العربية، والتي تهدف إلى “نزع سلاح المقاومة” وإنقاذ العدو الصهيوني من ورطته، بعد أن تمرّغ كبرياؤه السياسي والعسكري في التراب بضربات المقاومة والتطوّر النّوعي للمنظومة العسكرية والأمنية لها.
– نستغرب هذه المفارقة العجيبة في النشاط الديبلوماسي المكثّف لرئيس الجمهورية أثناء الحملة الانتخابية، وأثناء استقباله لرأس الانقلاب العسكري الدموي في مصر – بل والاعتراف به والمساهمة في رفع الحصار الإفريقي عنه، والدور المكثّف – كدركيِّ المنطقة في مالي وليبيا وتونس والصحراء الغربية – وبالمقابل هذا التراجع الرهيب والانهيار الكلّي للديبلوماسية الجزائرية في القضية الفلسطينية، وكأننا نفقد السيادة الوطنية على قرارنا الديبلوماسي فيها، وكأنّ هناك مَن أوْعز لنا بالانسحاب من الملف الفلسطيني، فلمصلحة مَن؟ ومَن يقف وراء ذلك؟
– لا يمكننا أن نتخلف عن تاريخ الأمة الذي يُصنع في غزة، وهذا التحوّل الاستراتيجي في موازين القِوى في المنطقة والعالم، بعد أن أثبتت المقاومة الفلسطينية أن القوة العسكرية الصهيونية ومَن يقف وراءَها أوهن من بيت العنكبوت.
– لا يمكننا أن نقبل بهذا التراجع الرهيب في مجال الحريات والحقوق السياسية والمدنية وحقوق الإنسان في الجزائر، إذ لازلنا نُحكم بالعقلية الأمنية وحالة الطوارئ التي لم تُرفع إلا نظريا فقط، فلا يُسمح بالترخيص للمسيرات مثلا – وهي صوت الأحرار في العالم.
فلا يُعقل أن يكون صوتُ الشعوب الغربية أقوى منّا، وصوتُ شعوبِ الدول العربية الأخرى أعلى منّا في نصرة فلسطين!؟ وتكون الجزائر محتشِمة ومتأخّرة إلى هذا الوقت؟ والتي لولا الأمر الواقع الذي فرضته التحركات الشعبية في كلّ الولايات، ومحاولة السلطة حفظ ماء وجهها والخشية من انفجار الشارع فيها لما تغاضت – ولا نقول رخّصت – للمسيرات المليونية الجمعة الماضية.
– بإمكان الجزائر – إن كانت تملك الإرادة السياسية والسيادة الحقيقة على قرارها الديبلوماسي – أن تلعب أدوارا متقدّمة وقوية ومؤثرة في القضية الفلسطينية، وتستغل استقرارها السياسي والأمني والمالي وعلاقاتها الديبلوماسية – مقارنة مع غيرها – في ذلك، ومنها:
1) التأثير القوي والحضور الفعّال في جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز، واستغلال علاقاتها مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن والضغط عليها، ومنها: العلاقات المتميزة والاستثنائية مع فرنسا.
2) تشجيع الدّور الإعلامي الجزائري -العام والخاص- ورفع اليد عنه لما له من تأثيرٍ في القرار الدولي وصناعة الرأي العام، وهل الجزائر أقل شأنا وأقل قدرة من الدور القطري مثلا!؟
3) فتح المجال لجمع التبرعات والمساعدات الإنسانية، واستغلال العلاقات مع النّظام المصري للضغط عليه من أجل الفتح الدائم والكلّي لمعبر رفح.
4) الترخيص – الذي لا -يزال معلّقا – للتحركات الشعبية للتعبير عن تضامنها الحقيقي والمطلق مع الشعب الفلسطيني، وردّ الجميل للأشقاء الذين ساندونا (من الثورة التحريرية إلى تشجيع الفريق الوطني في المونديال).
5) الاعتراف بالمقاومة الفلسطينية كحركة تحرّرٍ وطني، ودعمها في إطار القانون الدولي ضد الاحتلال، وحقّ الشعب الفلسطيني في المقاومة بكلِّ الأشكال، وحقّه في تقرير مصيره مثل كلّ الشعوب التي اُحتلّت في العالم.
6) تشكيلَ حلفٍ عربي – إسلامي – دولي للممانعة والصمود أمام الأطماع الصهيونية في المنطقة، ومقاطعة كلّ أشكال التطبيع وقطع كلّ العلاقات الديبلوماسية والتجارية مع العدو الصهيوني، والضغط على الدول المتورّطة في ذلك.
7) تفعيل اتفاقية الدّفاع العربي المشترك، وعقد الاتفاقيات الاستراتيجية للدّفاع عن فلسطين، وعدم ترك العدو الصهيوني يستفرد بها..